الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣٢
٥- البرهان على واجب الوجود بواسطة فكرة الممكن والواجب:
على أن ابن سينا، يعطي لهذا البرهان صورة أخرى، هي التي وجدناها عند الفارابي، وهي القائمة على فكرة الممكن والواجب.
وقد عقد في "النجاة" فصلًا لإثبات واجب الوجود على هذا النحو، هكذا:
"لا شك أن هنا وجودًا. وكل وجود: فإما واجب، وإما ممكن. فإن كان واجبًا، فقد صح وجود الواجب -وهو المطلوب.
وإن كان ممكنًا، فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود، وقبل ذلك، فإننا نقدم مقدمات:
١- فمن ذلك أنه لا يمكن أن يكون في زمان واحد لكل ممكن الذات علل ممكنة الذات بلا نهاية، وذلك؛ لأن جميعها: إما أن يكون موجودًا معًا، وإما أن لا يكون موجودًا معًا، فإن لم يكن موجودًا معًا غير المتناهي في زمان واحد، ولكن واحد قبل الآخر، فلنؤخر الكلام في هذا -وإما أن يكون موجودًا معًا ولا واجب وجود فيه، فلا يخلو: إما أن تكون الجملة بما هي تلك الجملة -سواء كانت متناهية، أو غير متناهية- واجبة الوجود بذاتها، أو ممكنة الوجود، فإن كانت واجبة الوجود بذاتها، وكل واحد منها ممكن، يكون الواجب الوجود متقومًا بممكنات الوجود -هذا خلف، وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها، فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد الوجود: فإما أن يكون خارجًا منها، أو داخلًا فيها، فإن كان داخلًا فيها: فإما أن يكون واحد منها واجب الوجود، وكان كل واحد منها ممكن الوجود -هذا خلف. وإما أن يكون ممكن الوجود، فيكون هو علة لوجود الجملة، وعلة الجملة علة أولًا لوجود أجزائها -ومنها هو- فهو علة لوجود نفسه، وهذا -مع استحالته- إن صح فهو من وجه ما، نفس المطلوب، فإن كل شيء يكون كافيًا في أن يوجد ذاته، فهو واجب الوجود، وكان ليس واجب الوجود -هذا خلف.