الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٩
الفاعل، فهي إذن علة غائية بالنسبة إلى المعلول، وفاعلية بالنسبة إلى الفاعل.
"والفاعل الذي يفيد الشيء وجودًا بعد عدمه، يكون لمفعوله أمران: عدم قد سبق، ووجود في الحال، وليس للفاعل، في عدمه السابق، تأثير، بل تأثيره في الوجود الذي للمفعول منه، فالمفعول إنما هو مفعول لأجل أن وجوده من غيره، لكن عرض أن كان له عدم من ذاته، وليس ذلك من تأثير الفاعل"١.
والقوة تطلق على مبدأ التغيير في آخر من حيث إنه آخر، ومبدأ التغيير يكون إما في المنفعل، وهو القوة الانفعالية، وإما في الفاعل وهو القوة الفعلية، "ويقال قوة: لما به يجوز من الشيء فعل أو انفعال، ولما به بصير الشيء مقومًا لآخر، ولما به يصير الشيء غير متغير وثابتًا، فإن التغير مجلوب للضعف، وقوة المنفعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد، كقوة الماء على قبول الشكل: فإن فيه قوة قبول الشكل، وليس فيه قوة حفظه، وفي السمع قوة عليهما جميعًا، وفي الهيولي الأولى قوة الجميع، ولكن بتوسط شيء دون شيء، وقد يكون في الشيء قوة انفعالية بحسب الضدين، كما أن في السمع قوة أن يتسخن، وأن يتبرد. -وقوة الفاعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد، كقوة النار على الإحراق فقط، وقد تكون على أشياء كثيرة كقوة المختارين٢، وقد يكون في الشيء قوة على كل شيء، ولكن بتوسط شيء دون شيء، وقد تكون القوة الفعلية على الضدين جميعًا كقوة المختارين منا، والقوة الفعلية المحدودة إذا لاقت القوة المنفعلة، حصل فيها الفعل ضرورة، وليس كذلك في غيرها مما يستوي فيها الأضداد.
وقد تغلط لفظة القوة، فيتوهم أن القوة على الفعل هي القوة المقابلة لما بالفعل، والفرق بينهما أن هذه القوة الأولى تبقى موجودة عندما تفعل، والثانية إنما تكون موجودة مع عدم الذي هو بالفعل"٣.
وهذا تحليل جيد لفكرة العلية والفعل.
ومن هذا التحليل يخلص ابن سينا إلى برهان على وجود علة أولى واحدة.
١ ابن سينا: "النجاة" ص ٢١٣. القاهرة، سنة ١٩٣٨.
٢ أي الإنسان الذي هو حر مختار.
٣ ابن سينا: "النجاة" ص٢١٤-٢١٥.