الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٥٤
وربما كان هذا الوصف أقرب ما يكون انطباقًا على ما يسمى "حكومة الأغنياء".
٢- والصعوبة الثانية في عبارة: "المدينة الجماعية"، ولكن الوصف الوارد في "السياسة المدنية" "ص٩٩" يوضح المعنى المقصود منها، إذ ورد فيه: "فأما المدينة الجماعية فهي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى لنفسه، يعمل ما يشاء وأهلها متساوون، وتكون سنتهم أن لا فضل لإنسان على إنسان في شيء أصلًا، ويكون أهلها أحرارًا يعملون ما شاؤوا، لا يكون لأحد على أحد منهم ولا من غيرهم سلطان، إلا أن يعمل ما تزول به حريتهم، فتحدث فيهم أخلاق كثيرة وهمم كثيرة وشهوات كثيرة، والتذاذ بأشياء كثيرة لا تحصى كثرة، ويكون أهلها طوائف كثيرة متشابهة، ومتباينة لا تحصى كثرة، فتجتمع في هذه المدينة تلك التي كانت متفرقة في تلك المدن كلها -الخسيس منها والشريف- وتكون الرئاسات بأي شيء اتفق من سائر تلك الأشياء التي ذكرناها، ويكون جمهورها الذين ليست لهم ما للرؤساء مسلطين على أولئك الذين يقال فيهم أنهم رؤساؤهم، ويكون من يرأسهم إنما يرأسهم بإرادة المرءوسين، ويكون رؤساؤهم على هوى المرءوسين، وإذا استقصى أمرهم لم يكن فيهم في الحقيقة لا رئيس ولا مرءوس"١.
وربما كان هذا الوصف أقرب إلى تصوير النظام الديمقراطي؛ لأنه يؤكد الحرية والمساواة وكون الرؤساء على هوى المرءوسين، وهذه خصائص النظام الديمقراطي، وسائر الصفات هي صفات الديمقراطية، كما شاهدها أفلاطون في أثينا في القرن الخامس والنصف الأول من القرن الرابع، فقد كانت هذه الديمقراطية كما قال عنها ثوكوديدس "الكتاب الثاني ٢: ٦٥" "تقوم على إسلام إدارة شؤون المدينة إلى أهواء الدهماء"، ويقول أفلاطون في كتاب "السياسة" "ص٥٥٧ وما يليها": إن الديمقراطية تنشأ حين يكسب الفقراء
١ الكتاب نفسه ص٩٩.