الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٥
البشرية من البشر بمعرفة القوانين العملية منهم، وباستعمال تلك القوانين في الجزئيات.
والحكمة المدنية، فائدتها أن تعلم كيفية المشاركة، التي تقع فيها بين أشخاص الناس، ليتعاونوا على مصالح الأبدان، ومصالح بقاء نوع الإنسان، والحكمة المنزلية، فائدتها أن تعلم المشاركة، التي ينبغي أن تكون بين أهل منزل واحد، لتنتظم به المصلحة المنزلية، والمشاركة المنزلية تتم بين زوج وزوجته، ووالد ومولود، ومالك وعبد، وأما الحكمة الخلقية ففائدتها أن تعلم الفضائل، وكيفية اقتنائها لتزكو بها النفس، وتعلم الرذائل، وكيفية توقيها لتتطهر عنها النفس.
وأما الحكمة النظرية، فأقسامها ثلاثة: حكمة تتعلق بما في الحركة والتغير، وتسمى حكمة طبيعية، وحكمة تتعلق بما من شأنه أن يجرده الذهن عن التغير، وإن كان وجوده مخالطًا للتغير، ويسمى حكمة رياضية، وحكمة تتعلق بما وجوده يستغني عن مخالطة التغير فلا يخالطه أصلًا، وإن خالطه فبالعرض؛ لأن ذاته مفتقرة في تحقيق الوجود إليه، وهي الفلسفة الأدبية، والفلسفة الإليهة جزء منها، وهي معرفة الربوبية.
ومبادئ هذه الأقسام التي للفلسفة النظرية، مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه، ومتصرف على تحصيلها بالكمال بالقوة العقلية على سبيل الحجة.
ومن أوتي استكمال نفسه بهاتين الكلمتين، والعمل على ذلك بإحداهما، فقد أوتي خيرًا كثيرًا"١.
وهذا تصنيف شامل لأقسام العلوم الفسلفية، فيه تحديد دقيق لموضوعاتها. ويتسم بالأحكام أكثر مما في "إحصاء العلوم" للفارابي.
ولنأخذ الآن في عرض أهم آراء ابن سينا في الإلهيات.
١ ابن سينا: "عيون الحكمة" ص ١٦-١٧، نشرتنا في القاهرة سنة ١٩٥٤.