الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٤٢
ويبين أي الشرائط والأحوال الطبيعية، ينبغي أن تنفقد في أولاد الملوك وفي غيرهم، حتى يؤهل بها من توجد فيه للملك بعد الذي هو اليوم ملك، ويبين كيف ينبغي أن ينشأ من وجدت فيه تلك الشرائط الطبيعية، وبماذا ينبغي أن يؤدب حتى تحصل له المهنة الملكية، ويصير ملكًا تامًا.
ويبين -مع ذلك- أن الذين رياستهم جاهلية، لا ينبغي أن يكونوا ملوكًا أصلًا، وأنهم لا يحتاجون في شيء من أحوالهم، وأعمالهم وتدابيرهم إلى الفلسفة: لا النظرية، ولا العملية، بل يمكن كل واحد منهم أن يصير إلى غرضه في المدينة والأمة التي تحت رياسته، بالقوة التجريبية التي تحصل له بمزاولة جنس الأفعال التي ينال بها مقصوده، ويصل إلى غرضه من الخيرات، متى اتفقت له قوة قريحية جبلية جيدة لاستنباط ما يحتاج إليه في الأفعال، التي ينال بها الخير الذي هو مقصوده: من لذة أو كرامة أو غير ذلك، ويضاف إلى ذلك جودة الائتساء بمن تقدم من الملوك الذين كان مقصدهم مقصده"١.
ومن هذا النص الطويل نتبين ما يلي:
١- أن الفارابي يخلط بين الأخلاق والسياسة، ولا يميز البحث في أحد العلمين عن البحث في العلم الآخر، ولا موضوعات كلا العلمين، ولا الغاية منهما.
وهذه النظرية هي نفس نظرة أفلاطون وأرسطو، إذ يرى كلاهما أن غاية السياسة المدنية هي السعي إلى توفير الكمال الأخلاقي لأبناء المدينة بمعونة القوانين والتربية، وأن على الدولة أن تعمل على تمكين الفضائل الأخلاقية في نفوس المواطنين، ذلك أن الغاية من المدينة "= الدولة" هي السعادة، تمامًا مثلما هي غاية الفرد.
٢- أنه يجعل موضوع علم السياسة "العلم المدني"، هو نفسه ذلك الذي وضعه أرسطو، فإن أرسطو في المقالة الرابعة "الفصل الأول ص١٢٨٨ب ٢١- ١٢٨٩أ ٢٥"، يقرر أن علم السياسة يجب عليه أن يدرس: أ- المدينة المثلى، ب- المدن التي يمكن أن تكون أفضل ما يمكن تحقيقه في ظروف معينة، ج- والمدن الجاهلة أي الشريرة بطبعها.
١ الفارابي: "إحصاء العلوم" ص١٠٢-١٠٧، ط٢، القاهرة سنة ١٩٤٩، وقد صححنا ما رأينا وجوب تصحيحه في نص هذه النشرة.