الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٤
تقيد بنص، ويورد الأمثلة إما عن كتب أرسطو هذه، وإما بالاستعارة من علم الطب.
كذلك "منطق المشرقيين"، الذي كنا نتوقع أن نجد فيه ما أعلنه في مقدمته من رغبة في التجديد، ليس فيه شيء أكثر مما ورد في سائر كتبه في المنطق.
وفيما عدا بعض التفصيلات الفرعية الصغيرة، "مثل الأقيسة المؤلفة من شرطيات فقط"، لا نكاد نجد لابن سينا شيئًا يضيفه على منطق أرسطو، وشراحه.
وإنما يمتاز ابن سينا بقدرته الهائلة على استيعاب أرسطو وشراحه، وحسن عرضه التفصيلي١.
ما بعد الطبيعة:
٢- الحكمة وأقسامها:
ونمضي من المنطق إلى بيان مذهبه في الإلهيات، وما بعد الطبيعة بوجه عام. ونبدأ ببيان تعريفه للفلسفة -أو الحكمة كما يسميها- وأقسامها.
يقول ابن سينا في كتاب "عيون الحكمة": "الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور، والتصديق بالحقائق النظرية، والعملية على قدر الطاقة البشرية.
والحكمة المتعلقة بالأمور النظرية، التي إلينا أن نعلمها -وليس إلينا ألبتة أن نعملها- تسمى حكمة نظرية، والحكمة المتعلقة بالأمور العملية، التي إلينا أن نعلمها، ونعملها تسمى حكمة عملية، وكل واحدة من الحكمتين تنحصر في أقسام ثلاثة: فأقسام الحكمة العملية: حكمة مدنية، وحكمة منزلية، وحكمة خلقية، ومبدأ هذه الثلاثة مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، وكمالات حدودها تستبين بالشريعة الإلهية، وتتصرف فيها بعد ذلك القوة
١ لمزيد من البحث في هذه المسألة، راجع تصدير نشرتنا لكتاب "البرهان" لابن سينا، ص٣٨-٤٦، القاهرة سنة ١٩٦٦.