الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٣١
يعمل، -والنزوعية هي التي يكون بها النزوع الإنساني بأن يطلب الشيء، أو يهرب منه، ويشتاقه أو يكرهه، ويؤثره أو يتجنبه، وبها يكون البغضة والمحبة، والصداقة والعداوة، والخوف والأمن، والغضب والرضا، والقسوة والرحمة -وسائر عوارض النفس، -والمخيلة هي التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها من الحس، وتركب بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض في اليقظة والنوم، تركيبات وتفصيلات بعضها صادق، وبعضها كاذب، ولها مع ذلك إدراك النافع والضار، واللذيذ والمؤذي، دون الجميل والقبيح، من الأفعال والأخلاق، -والحساسة بين أمرها، وهي التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس المعروفة عند الجميع، وتدرك الملذ والمؤذي، ولا تميز الضار والنافع، ولا الجميل والقبيح.
وأما الحيوان غير الناطق، فبعضه يوجد له القوى الثلاث الباقية، دون الناطقة. والقوة المتخيلة فيه تقوم مقام القوة الناطقة في الحيوان الناطق، وبعضه يوجد له القوة الحساسة، والقوة النزوعية فقط، وأما أنفس الأجسام السماوية، فهي مباينة لهذه الأنفس في النوع، مفردة عنها في جواهرها، وبها تتجوهر الأجسام السماوية، وعنها تتحرك دورًا، وهي أشرف وأكمل وأفضل وجودًا من أنفس أنواع الحيوان التي لدينا، وذلك أنها لم تكن بالقوة أصلًا، ولا في وقت من الأوقات، بل هي بالفعل دائمًا من قبل أن معقولاتها لم تزل حاصلة فيها منذ أول الأمر، وإنما تعقل ما تعقله دائمًا، وأما أنفسنا نحن فإنها تكون أولًا بالقوة ثم تصير بالفعل، وذلك أنها تكون أولًا هيئات قابلة معدة، لأن تعقل المعقولات، ثم من بعد ذلك تحصل لها المعقولات، وتصير حينئذ بالفعل، وليس في الأجسام السماوية من الأنفس: لا الحساسة ولا المتخيلة، بل إنما لها النفس التي تعقل فقط، وهي مجانسة في ذلك -بعض المجانسة- للنفس الناطقة، والتي تعقلها الأنفس السماوية وهي المعقولات بجواهرها، وتلك هي الجواهر المفارقة للمادة. وكل نفس منها تعقل الأول، وتعقل ذاتها، وتعقل من الثواني ذلك الذي أعطاها جوهرها، أما جل المعقولات التي يعقلها الإنسان من الأشياء التي هي في مواد، فليست تعقلها