الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٢٦
في مادة، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، ولكن عنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود إلى مادة وموضوع أصلًا، وهي الأشياء المفارقة التي هي في جواهرها عقول ومعقولات، وعند كرة القمر ينتهي وجود الأجسام السماوية، وهي التي بطبيعتها تتحرك دورًا"١.
والخلاصة أن صدور الموجودات عن الأول يتم في ترتيب تنازلي من ثان إلى حادي عشر، وصدور التالي عن السابق يتم دائمًا بأن يعقل الأول، وذلك في جميع المراتب، أما عقل كل واحد منها لذاته، فينتج عنه فلك على الترتيب التالي، السماء الأولى، فالكواكب الثابتة، فزحل، فالمشتري، فالمريخ، فالشمس، فالزهرة، فعطارد، فالقمر، وعند فلك القمر تنتهي الموجودات المفارقة التي هي في جواهرها عقول ومعقولات، وينتهي وجود الأجسام السماوية.
والأساس في هذا الترتيب هو أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.
بيد أن المشكلة هي: هل العقل الأول هو واجب الوجود أو الله -أو هو أول ما صدر عن الله؟
يتجلى بوضوح من كلام الفارابي في هذا النص الذي أوردناه نقلًا عن كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"، أن العقل الأول هو الله نفسه، ومن هنا كانت العقول عنده أحد عشر عقلًا، وهذا طبيعي منطقي؛ لأن الأول أو الله أو واجب الوجود عقل وعاقل ومعقول، كما قال الفارابي في مواضع عديدة من رسائله٢. ولهذا
لا نجد عبارة "العقول العشرة" عند الفارابي، إلا حين يقصد كلامه على العقول
العشرة التالية للعقل الواحد٣.
وقد أخذ الفارابي فكرة "الفيض"، أو"الصدور" عن أفلوطين الذي
١ الكتاب نفسه ص٦١-٦٢.
٢ انظر مثلًا "كتاب السياسة المدنية" ص٤٥ س٥-س٩.
٣ انظر مثلًا "آراء أهل المدينة الفاضلة" ص٦٨ س٣، س١٢، ص٧١ س٤، س٩.