الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٢٠
التام هو ما لا يوجد خارجًا عنه شيء يمكن أن يكون له، فإذن وجوده لا يمكن أن يكون خارجًا عن ذاته لشيء ما أصلًا.
ولذلك لا يمكن أن يكون له ضد أصلًا، وذلك أن وجود ضد الشيء هو في مثل مرتبة وجوده، ولا يمكن أن يكون في مثل رتبته وجود أصلًا لم يتوفر عليه، وإلا كان وجوده وجودًا ناقصًا، وأيضًا فإن كل ما له ضد، فإن كمال وجوده هو بعدم ضده، وذلك أن وجود الشيء الذي له ضد، إنما يكون مع وجود ضده بأن يحفظ بأشياء من خارج، وبأشياء خارجة عن ذاته وجوهره، فإنه ليس يكون في جوهر أحد الضدين كفاية في أن يحفظ ذاته عن ضده، فإذن يلزم أن يكون للأول سبب ما آخر، به وجوده. فلذلك لا يمكن أن يكون في مرتبته، بل يكون هو وحده فردًا، فهو واحد من هذه الجهة.
وأيضًا فإنه غير منقسم في ذاته بالقول، وأعني أنه لا ينقسم إلى أشياء بها تجوهره، وذلك أنه لا يمكن أن يكون القول الذي يشرح ذاته يدل على كل جزء من أجزاء القول على جزء مما يتجوهر به، فإنه إذا كان كذلك، كانت الأجزاء التي بها تجوهره هي أسباب وجوده، على جهة ما تكون المعاني التي تدل عليها أجزاء الحد أسباًبا لوجود الشيء المحدود، وعلى جهة ما تكون المادة والصورة أسبابًا لوجود ما يتقوم بهما، وذلك غير ممكن فيه إذ كان أولًا، فإذا كان لا ينقسم هذا الانقسام -وهو من أن ينقسم انقسام الكم، وسائر أنحاء الانقسام أبعد- فهو أيضًا واحد من هذه الجهة الأخرى، ولذلك لا يمكن أيضًا أن يكون وجوده الذي به ينحاز مما سواه من الموجودات، غير الذي هو به في ذاته موجود، فلذلك يكون انحيازه مما سواه من الموجودات غير الذي هو به في ذاته موجود، فلذلك يكون انحيازه مما سواه بوحدة هي ذاته: فإن أحد معاني الوحدة هو الوجود الخاص الذي به ينحاز كل موجود عما سواه، وهي التي بها يقال لكل موجود واحد من جهة ما هو موجود: الوجود الذي يخصه، وهذا المعنى من معانيه يساوق الموجود، فالأول أيضًا بهذا الوجه واحد، وأحق من كل واحد سواه باسم الواحد ومعناه.