الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢١٧
وجل- في أفعاله بما يدخل النقص فيه، وفي أفعاله وفي الموجودات التي خلقها - فيبطلها كلها ببراهين تفيد العلم اليقين الذي لا يمكن أن يداخل الإنسان فيه ارتياب ولا يخالجه فيه شك، ولا يمكن أن يرجع عنه أصلًا"١.
وهذا العرض المستقصى لموضوع العلم الإلهي، يستدعي الملاحظات التالي:
١- أولًا غموض التقسيم المذكور إلى ثلاثة أجزاء: إذ لا يوجد فارق بين الجزء الأول، وبين الجزء الثالث، فلا محل للتمييز بينهما، والجزء الثاني يلفت النظر؛ لأنه أدخل في العلم الطبيعي منه في العلم الإلهي، أو يدخل بالتعبير العصري في فلسفة العلوم ومنهاجها، وربما الذي دعا الفارابي إلى وضع هذا الجزء الثاني ضمن موضوعات العلم الإلهي، تناول أرسطو لمشكلة الصور الأفلاطونية في مقالتي "المو" و"النو" "المقالتين ١٣-١٤ من كتاب "ما بعد الطبيعة""، ونقد تصوير أتباع أفلاطون المباشرين للمثل على أنها رياضية، أو الدليل على ذلك، أشار إليه كمثال لمباحث هذا الجزء الثاني: إبطال ظن من ظن في النقطة والوحدة والخطوط والسطوح أنها جواهر، وأنها مفارقة"، وهو رأي أسبوسبيوس وأكسينوقراط خلفي أفلاطون المباشرين على رئاسة الأكاديمية.
٢- وثانيًا يلاحظ أن موضوعات القسم الثالث، قد تجاوزت ما قصده أرسطو بالإلهيات، وما بعد الطبيعة، وهذه نتيجة طبيعية لاستخدام البراهين العقلية لتأييد العقائد الدينية لدى آباء الكنيسة في المسيحية، ولدى رجال مدرسة الإسكندرية، وبخاصة يحيى النحوي، ثم لقيام علم الكلام في الإسلام خصوصًا في القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي"، وبهذا حدد الفارابي للإلهيات موضوعات لم تكن بارزة في إلهيات أرسطو والمشائين: مثل العناية الإلهية، صفات الله وإثبات وجوده، وذلك "ببراهين تفيد العلم
١ الفارابي: "إحصاء العلوم" ص٩٩-١٠١، ط٢، القاهرة سنة ١٩٤٦.