الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢١٣
قاله في "الطوبيقا" على سبيل المثال، لكن هذا مجرد مثال، وما يقال على سبيل المثال لا يعبر بالضرورة عن اعتقاد من يذكر المثال، فضلًا عن أن أرسطو في "الطوبيقا"، لم يكن بصدد الكلام عن العالم، بل هو يتكلم في الأقيسة التي تتألف مقدماتها من قضايا معروفة بوجه عام.
كذلك دفعهم إلى هذا الظن ما قاله أرسطو في كتاب "السماء والعالم"، من أنه ليس لكل بدء في الزمان، فاستنتجوا من هذا أنه يقول: إن الزمان أزلي. وهذا غير صحيح -هكذا يقول الفارابي- لأنه بين في هذا الكتاب نفسه، وفي كتب أخرى في الطبيعة، والفلسفة الأولى أن الزمان هو مقدار حركة الفلك وحادث عنه، وما هو حادث عن شيء لا يحتوي على هذا الشيء، فحين يقول: إن العالم ليس له بدء في الزمان، فهو يقصد أن العالم لم يتكون جزءًا بعد جزء مثل البيت.
وهكذا ينكر الفارابي أن يكون أرسطو قد أكد أن العالم قديم! ومن الغريب أن يتجاهل الفارابي ما أكده أرسطو بكل وضوح في المقالة الثانية من كتاب "الطبيعة"، لإثبات أزلية الحركة وأبديتها!
١٠- المثل الأفلاطونية:
ونقطة الخلاف العاشرة بين الحكيمين تتعلق بالمثل التي أكدها أفلاطون، وهاجمها أرسطو بشدة.
وهنا يلجأ الفارابي، من أجل التوفيق بينهما في هذا المجال، إلى ما ورد في كتاب "أثولوجيا" المنسوب خطأ إلى أرسطو، بينما هو في الواقع تلخيص "للتساعات" من ٤ إلى ٦، لأفلوطين، وما كان أسهل على الفارابي أن يقدم حينئذ مهمة التوفيق! إذ مذهب أفلوطين هو في جملته مذهب أفلاطون، ويحد الفارابي عونًا مسعفًا له في مسعاه في الموضع المشهور من "أثولوجيا"، حيث يقول صاحبه: "إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبًا، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي، راجعًا إليها، خارجًا من سائر