الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢١٠
أما أرسطو فكان مذهبه التدوين والوضوح والترتيب.
ويبدو للوهلة الأولى أن بين كليهما خلافًا في طريقة التدوين، لكننا إذا تعمقنا الأمر وجدنا أرسطو كثيرًا، ما يلجأ إلى الغموض والتعقيد هو الآخر، ويسوق الفارابي أمثلة على ذلك، ويؤيد رأيه بكلام لأرسطو يقول فيه: "إني وإن دونت هذه العلوم والحكمة، فقد رتبتها بحيث لا يخلص إليها إلا أهلها، وعبرت عنها بعبارات لا يحيط بها إلا بنوها".
٣- مشكلة الجواهر:
ونقطة خلاف ثالثة تدور حول مسألة الجواهر أيها الأشرف: الكلي، أم الجزئي؟
ومعظم الذين درسوا مؤلفات أفلاطون وأرسطو يعتقدون بوجود خلاف بينهما في هذه المسألة، إذ يجدون في كثير من مؤلفات أفلاطون ما يدل على أنه يرى أن الجوهر الأشرف، والأقدم هو الأقرب إلى العقل والنفس، والأبعد عن الحس والفرد، بينما يجدون أرسطو في كتبه، خصوصًا في كتاب "المقولات"، وكتاب "الأقيسة الشرطية" "؟ "، يقرر أن الجوهر الأولى بالشرف، والتقديم هو الجوهر الأول أي الفرد، لا الجوهر الثاني أي الكلي، لهذا زعم هؤلاء أن بين كلا الحكيمين خلافًا في هذه المسألة..
والفارابي يقر بوجود هذا الخلاف، ولكنه يعزوه إلى اختلاف السياق، فأرسطو يجعل المفرد هو الجوهر الأشرف، حين يتحدث في المنطق والطبيعيات؛ لأنه يهتم حينئذ بأحوال الموجودات القريبة من الحس، بينما أفلاطون يؤكد أن المفرد هو الأشرف حين يتحدث في الأمور الإلهية وما بعد الطبيعة، فكلما كان السياق مختلفًا، والغرض ليس واحدًا، وقع الخلاف في الظاهر، أما في الواقع فلا خلاف، بل مرجعه إلى اختلاف سياق الكلام.
٤- القسمة والبرهان:
يرى أفلاطون أن الحد التام يكون بالقسمة، بينما يرى أرسطو أنه يكون بالبرهان والتركيب.
والفارابي يشبه هذا بسلم يصعد عليه وينزل منه، فالمسافة واحدة،