الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٠٩
١- أول نقط الخلاف هي في السلوك في الحياة:
فإن أفلاطون قد تخلى عن كثير من الأسباب الدنيوية، بينما أرسطو قد انغمس في علائق الدنيا، ونال الكثير من مفاخرها، وحاز المال الوفير، وتزوج وأنجب أولادًا، واستوزر للإسكندر، ومن هذا يبدو لأول وهلة أن بين الرجلين خلافًا في النظر إلى السلوك الواجب على الفيلسوف اتخاذه في الحياة.
ويرى الفارابي أن الأمر ليس هكذا، فإن أفلاطون اهتم بشؤون الدنيا و"دون السياسات وهذبها، وبين السيرة العادلة، والعشرة الأنسية المدنية، وأبان عن فضائلها، وأظهر الفساد العارض لأفعال من هجر العشرة المدنية، وترك التعاون فيها"، وكتبه في هذا الباب معروفة، ومختلف الأمم تدرسها منذ أيامه حتى عصرنا هذا، لكنه لما رأى أن المهمة الأولى للإنسان هي تقويم ذاته، ثم تقويم غيره بعد ذلك "على أنه متى فرغ من الأهم الأولى، أقبل على الأقرب الأدنى". لكنه "لم يجد في نفسه من القوة ما يمكنه الفراغ مما يهمه من أمرها، لذا أفنى أيامه في أهم الواجبات عليه"، أي تقويم نفسه.
وأرسطو اتبع تعاليم أفلاطون، كما وجدها في مؤلفاته، ولما عاد إلى ذاته، وجد في نفسه قوة على تقويم نفسه، ثم التعاون مع الآخرين، والاشتغال بكثير من الأمور السياسية.
فمن "تأمل هذه الأحوال، علم أنه لم يكن بين الرأيين والاعتقادين خلاف، وأن التباين الواقع لهما كان سببه نقصًا في القوى الطبيعية في أحدهما، وزيادة في الآخر".
٢- طريق التأليف:
وثاني نقط الخلاف -الظاهري- هي في طريقة كل منهما في التأليف، فإن أفلاطون -هكذا يزعم الفارابي خطأ- كان يوصي بعدم التأليف؛ لأنه كان يفضل أن يبث الحكمة في القلوب الطاهرة والعقول الصحيحة، ولما خاف من ضياع علمه وكلمته بسبب النسيان، عمد إلى الرموز والألغاز لتدوين معارفه وحكمته، بحيث لا يفهمها إلا القادرون عليها.