الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٠٨
هذين الرجلين فاسدًا وبغير أساس.
جـ- وإما أن معرفة أولئك الظانين بأن بينهما خلافًا هي معرفة مقصرة، فإن فحصنا عن هذه الاحتمالات الثلاثة تبين لنا:
أ- أن الحد الذي ذكرناه للفلسفة صحيح، كما هو بين لمن يفحص أجزاء هذا العلم، إذ موضوعات العلوم إما إلهية، أو طبيعية، أو منطقية، أو رياضية، أو سياسية، "والفلسفة هي المستنبطة لهذه العلوم جميعًا، حتى إنه لا يوجد شيء من موجودات العالم إلا وللفلسفة فيه مدخل، وعليه غرض، ومنه علم".
وهنا تتجلى أولى نقط الخلاف في الظاهر -بين هذين الحكيمين: أفلاطون، وأرسطو، ذلك أن أفلاطون في دراسته لعلوم الفلسفة، فضل استعمال القسمة الثنائية من أجل انتظام مجموع الأحوال الجزئية، بينما فضل أرسطو استخدام القياس والبرهان، لكن هذا لا يعني أن أرسطو رفض القسمة الثنائية، أو أن أفلاطون أنكر قيمة القياس والبرهان، وسيعود الفارابي إلى فضل بيان لهذه النقطة.
ب- والغرض الثاني باطل أيضًا، ذلك؛ لأن الاتفاق بين معظم العقلاء دليل على الحق، بشرط ألا يكون هذا الاتفاق ناتجًا عن التقليد، بل عن البرهان العقلي الدقيق. "ونحن نجد الألسنة المختلفة، متفقة في تقديم هذين الحكيمين، وفي التفلسف بهما تضرب الأمثال، وإليهما يساق الاعتبار".
جـ- فلم يبق إلا الغرض الثالث، وهو أن معرفة من ظنوا أن بينهما خلافًا هي معرفة تتصف بالقصور.
فلنذكر أولًا الأسباب التي دعت إلى ظن من ظن أن بينهما خلافًا، ولنحاول بعد ذلك التوفيق بين هذه الخلافات المزعومة.