الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٠٧
ب- التوفيق بين أفلاطون وأرسطو:
وعن سنبلقيوس أيضًا أخذ الفارابي بعض ما أورده في كتابه "الجمع بين رأيي الحكيمين"، الذي حاول فيه التوفيق بين أفلاطون وأرسطو.
وفي هذا الكتاب يبدأ، فيقرر منزلة هذين الحكيمين، واتفاق الآراء على الإشادة بهما، قال: "ونحن نجد الألسنة المختلفة متفقة في تقديم هذين الحكيمين ... وإليهما يساق الاعتبار، وعندهما ينتهي الوصف بالحكم العميقة، والعلوم اللطيفة، والاستنباطات، والغوص في المعاني الدقيقة، المؤدية في كل شيء إلى الحقيقة"، ثم أشار إلى ما ذهب إليه الناس من اختلاف آرائهما في بعض الأمور، فقال: "زعم بعضهم أن بين الحكيمين إختلافًا في إثبات المبدع الأول، وفي وجود الأسباب عنه، وفي أمر النفس والتعقل، وفي المجازاة على الأفعال: خيرها وشرها، وفي كثير من الأمور المدنية "= السياسية" والخلقية، والمنطقية"، ولهذا رأي أن يوفق -أو على حد تعبيره: يجمع- بين رأييهما، قال: "أردت في مقالتي هذه أن أشرع في الجمع بين رأييهما، والإبانة عما يدل عليه فحوى قوليهما، وليظهر الاتفاق بين ما كانا يعتقدانه، ويزول الشك والارتياب عن قلوب الناظرين في كتبهما، وأبين مواضع الظنون ومداخل الشكوك في مقالاتهما".
ثم يقدم تعريفًا للفلسفة يكون أساسًا في الفصل في هذه الأمور، فيقول: إن الفلسفة "هي العلم بالموجودات بما هي موجودة"، والمذهب يكون صحيحًا إذا انطبق على الموجود.
لكن هذين الحكيمين -أفلاطون وأرسطو- اختلفا في بعض أمور الفلسفة، ولا بد أن يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى واحد من الأسباب الثلاثة التالية:
أ- فإما أن الحد المبين عن حقيقة الفلسفة غير صحيح،
ب- وإما أن يكون رأي الجميع، أو الأكثرين واعتقادهم في تفلسف