الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٩٧
ولعل عدم بروز مكانته في بغداد، هو الذي حمله على الانتقال عنها إلى بلاط سيف الدولة في حلب، حيث كان هذا الأمير الممتاز يرعى صفوة من أهل الأدب والعلم، وكان ارتحال الفارابي إلى حلب في سنة ٣٣٠هـ "سبتمبر سنة ٩٤٢م"، وظل يتنقل بين حلب ودمشق، ويطيل المقام في دمشق حيث الرياض الزاهرة والبساتين العاطرة، والينابيع المتدفقة، وقد كان هذا خير إطار لمزاج الفارابي.
إلى أن خرج من دمشق في جماعة إلى عسقلان على الساحل الجنوبي من فلسطين، فهاجمتهم عصابة من اللصوص، ووقع قتال بين الطائفتين قتل فيه صاحبنا الفارابي سنة ٣٣٩هـ في شهر رجب "ديسمبر سنة ٩٥٠م، أو يناير سنة ٩٥١م"، فنقل جثمانه إلى دمشق، وصلى عليه سيف الدولة في جملة من خواصه، ودفن بظاهر دمشق، خارج الباب الصغير.
ويبدو من بعض الأخبار أنه ورد مصر وأقام بها زمنًا، إذ يروي ابن خلكان أن الفارابي ذكر في كتابه الموسوم بـ"السياسة المدنية"، أنه ابتدأ تأليفه في بغداد وأكمله بمصر ""وفيات الأعيان" جـ٤ ص٢٤٠"، وفي تعليقه خاصة بكتاب "المدينة الفاضلة"، خبر يقول: إن بعض الناس سأله أن يجعل لهذا الكتاب "فصولًا تدل على قسمة معاينة، فعمل الفصول بمصر"، وهذا يقطع أن الفارابي أقام بمصر حينًا، وأنه كتب فيها صفحات من مؤلفاته.
ويصف ابن خلكان طريقة عيشة الفارابي، فيقول: إنه كان زري الملبس، يلبس أحيانًا قلنسوة بلقاء. "وكان مكبًا على التحصيل، زاهدًا في أمور الدنيا، لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن، وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم ... اقتصر عليها لقناعته"، وكان مؤثرًا للوحدة لا يجالس الناس، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون إلا عند مجمع ماء، أو مشتبك رياض، ويؤلف هناك كتبه، ويتناوبه المشتغلون عليه"، ولعل هذا هو الذي يفسر لنا طريقته في التأليف، فقد جاءت "أكثر تصانيفه