الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٩٦
الثقافة في ذلك العهد، وأشهرها في ذلك الحين موضعان: حران "في الجنوب الشرقي من تركيا الآن"، التي انتقلت إليها مدرسة الإسكندرية بعد أن تلبثت قرابة مائة وأربعين سنة في أنطاكية، وكان ذلك في خلافة المتوكل التي استمرت من سنة ٢٣٢هـ "٨٤٧م" إلى سنة ٢٤٧هـ "٨٦١م"، فأصبحت حران بذلك وريثة الثقافة اليونانية، وإن لم تستمر بها الدراسة أكثر من أربعين سنة، فقد تخرج فيها -برغم ذلك- نفر ممتاز صاروا أساتذة العلوم اليونانية في بغداد، التي طوت في داخلها معاهد الثقافة الكبرى في ذلك العهد.
ويغلب على الظن أن الفارابي قد طرق أبواب مدرسة حران أولًا، فتلقى أطرافًا من علوم الأوائل على يد شخصية، لا يزال الغموض يحيط بها هي شخصية يوحنا بن حيلان، وقد كان ذا قدم راسخة في المنطق، فقرأ عليه الفارابي من المنطق حتى آخر البرهان.
ثم ارتحل الفارابي إلى بغداد، ولعله ارتحل مع رؤساء مدرسة حران، الذين انتقل جمعهم إلى بغداد في خلافة المعتضد "التي استمرت من سنة ٢٧٩هـ/ ٨٩٢م، إلى سنة ٢٨٩هـ/ ٩٠٢م"، وفي بغداد أم خصوصًا حلقة أبي بشر متى بن يونس الذي احتل مركز الصدارة في دراسة المنطق آنذاك، وكان واسع الاطلاع على فلسفة أرسطو، كما كان مترجمًا غزير الانتاج، وإن كان سقيم العبارة، مما سيكون له أثره في عبارة الفارابي.
ويلوح أن الفارابي لم يكن ملحوظ المكانة في بغداد بالرغم من مهارته في العلوم الحكمية، وتفوقه على أستاذه أبي بشر؛ لأننا لا نجد فيما بين أيدينا من الوثائق التاريخية، ما عساه أن يكشف عن هذه المكانة، والقصة التي رواها البيهقي في "تتمة صوان الحكمة" "الذي نشره كرد علي بعنوان: "تاريخ حكماء الإسلام" ص٣٢-٣٣، دمشق، سنة ١٩٤٦"، عما حدث بينه وبين الصاحب بن عباد قصة زائفة، خلط فيها بين شخصية ابن عباد، وشخصية سيف الدولة الحمداني.