الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٩٠
٦- وعلينا أن نفهم جيدًا أنه إذا كان ينبغي الحزن على المفقودات وما لم نحصله، فينبغي أن نحزن أبدًا، وفي الوقت نفسه ألا نحزن أبدًا، وهذا تناقض فاضح؛ لأنه إذا كان سبب الحزن هو فقد القنيات الخارجة عنا، فإنه إذا لم تكن لنا قنيات خارجية لن نحزن؛ لأننا لن نفقدها ما دمنا لم نملكها، وإذن علينا ألا نملك شيئًا حتى لا نفقده، فيكون فقدانه مسببًا للحزن، لكن ألا نملك شيئًا هو مصدر دائم للحزن، ولهذا ينبغي أن نحزن دائمًا، سواء اقتنينا أو لم نقتن، إذن يجب ألا نحزن أبدًا، وأن نحزن أبدًا! وهذا محال.
لكن علينا أن نقلل من قنياتنا، لنقلل من أحزاننا، ما دام فقدها يولد الحزن.
وبهذه المناسبة يسوق الكندي حكاية تقول: إن نيرون، إمبراطور روما، أهدي قبة عجيبة من البلور، فسر بها كثيرًا، ومدحها كثير من الحاضرين، وكان بينهم فيلسوف، فساله نيرون رأيه في القبة فأجاب الفيلسوف قائلًا: إنها تكشف عن فقر فيك، وتنبئ بمصيبة ستحدث لك. فقال نيرون: وكيف؟ فقال الفيلسوف: لأنك إن فقدتها، فلا أمل في أن تظفر بمثلها، وهذا يكشف عن حاجة فيك إلى مثلها، ولو حدثت لها حادثة أودت بها، لنالك من ذلك شقاء غظيم، ويقال: إن هذا ما حدث فعلًا، فقد ذهب نيرون للنزهة ذات يوم إلى جزيرة قريبة، وأمر بوضع القبة بين المتاع لكي توضع في حديقة، فغرقت السفينة التي تحملها، فكان ذلك سببًا لحزن نيرون.
٧- إن الله لم يخلق مخلوقًا دون أن يزوده بما يحتاج إليه، إلا الإنسان؛ لأنه وقد زود بالقوة التي بها يسيطر على الحيوان ويحكمه ويوجهه، فإه يجهل أن يحكم نفسه، وهذا دليل على نقص العقل، وحاجة الإنسان لا تنقضي، مما ينشأ عنه الحزن والهم، ولهذا فإن من يهتم باقتناء ما لا يملك من الأشياء الخارجة عنه لا تنقضي غمومه وأحزانه.
٨- وحال الناس في عبورهم في هذا العالم الفاني حال خداعة، تشبه