الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٨٤
ومن استولت عليه قوة النفس النطقية، ويتجرد للتفكير والبحث عن حقائق الأشياء، واكتناه الأسرار -هو رجل فاضل قريب من التشبه بالله، ذلك أن صفات الله هي: الحكمة، والقدرة، والعدل، والخير، والجمال، والحق، وبهذا يشارك في صفات الله١.
ويورد الكندي أقولاًا لمن سماه أفسقوس، يقول فيها: إن النفس إذا زهدت في الشهوات استنكفت عن الأدناس، واهتمت بالبحث ومعرفة حقائق الأشياء -فإنها تصير مصقولة ... ، وتتحد بها صورة نور الله، فينعكس فيها نور الله، وتبدو فيها صور جميع الأشياء، كما تتجلى صور المحسوسات في المرآة الصقيلة.
وهذه النفس لا تنام أبدًا، لكنها لا تستعمل الحواس إبان النوم، ولو كانت النفس تنام، لما عرف الإنسان ما يراه في الحلم، ولا غيره مما يراه في اليقظة، وإذا بلغت النفس تمام الصفاء، شاهدت في النوم أحلامًا رائعة، وأورت مع النفوس التي تركت أبدانها، ووهبها الله نوره ورحمته، هنالك تستشعر لذة دائمة تفوق كل لذائذ الطعام والشراب والفسق، والسمع والبصر واللمس.
ونحن في هذه الدنيا كما لو كنا على معبر يمر عليه المسافرون، ولن نبقى فيها طويلًا، إن مقامنا الحق هو في العالم العلوي الشريف الذي ستنتقل إليه النفوس بعد الموت، حيث تكون بقرب الخالق، ونوره، وهنالك تنعم بنوره ورحمته٢.
١ راجع "الرسائل" جـ١ ص٢٦١.
٢ راجع "الرسائل" جـ١ ص٢٧٦-٢٧٧.