الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٨١
الجرم الأقصى أو الفلك:
والفلك أو الجرم الأقصى، كما يسميه الكندي حي وعاقل ""الرسائل" جـ١ ص٢٤٧"، وذلك؛ لأن الفلك جسم، وكل جسم إما حي، أو غير حي، فالفلك إما حي، أو غير حي، وكل علة طبيعية هي إما عنصر، أو صورة، أو فاعل، أو غاية من أجلها يفعل الفاعل، والفلك ليس عنصرًا للكائنات؛ لأن العنصر المكون يتحول من صورة إلى صورة، لكن الفلك لا يتحول ولا يتغير.
والفلك ليس أيضا صورة؛ لأن الصورة لا تنفصل عن العنصر، أما الفلك فمفارق.
والفلك ليس غاية الكون؛ لأن غاية الكون أمر عارض للجسم.
فلم يبق إلا أن نقرر أن الفلك علة فاعلة لكل ما يكون، وهو علة فاعلة قريبة.
والكائن أو الحادث إما متنفس، أو غير متنفس، إذن الفلك هو العلة الفاعلة القريبة لكل ما هو حادث، وفاسد داخل الفلك.
فالفلك علة فاعلية قريبة للموجود المتنفس القابل للفساد، إنه هو العلة القريبة للحياة في الجسم الحي المتنفس١.
والفلك جسم يحدث الحياة في الكائنات التي تحته: وإيجاده لها إما بنصوص، أو بالمحبة، أبو بالقوة.
والحرم الأقصى حي أبدًا بالفعل، وهو الذي يهب -اضطرارًا "أي بالضرورة" الحياة للكائنات الحادثة.
ولم يتولد الفلك من شيء آخر، بل خلق من العدم، إن الفلك "غير مكون من غيره، بل مبدع إبداعًا عن ليس، وليس بفاسد إلى غيره ... "لأن" كل فاسد فإلى ضد فساده يفسد، وأنه لا ضد للفلك"٢.
١ راجع "رسائل الكندي" جـ١ ص٢٤٧-٢٤٨.
٢ "رسائل الكندي" جـ١ ص٢٥٣.