الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٦٧
وبعد أن أكد الكندي هذه المعاني، ساق برهانه على نحو منطقي منظم، لبيان أن الجسم لا يمكن أن يكون لا متناهيًا بالفعل، وإن كان كذلك بالقوة أي بالإمكان.
ومن أجل هذا البرهان يسوق المقدمات التالية، التي يرى الكندي أنها قضايا بينة بنفسها:
أ- كل الأجسام، التي ليس واحد منها أكبر من غيره، متساوية،
ب- والأجسام التي تكون المسافات بين نهاياتها متساوية، هي متساوية بالفعل وبالقوة معًا،
جـ- المتناهي لا يكون غير متناه،
د- إذا أضفنا إلى أحد الأجسام المتساوية جسمًا، لكان أكبرها، وسيكون أكبر من كان قبل إضافة هذا الجسم إليه،
هـ- إذا اجتمع جسمان متناهيان في المقدار، فإن الجسم الناتج عنهما سيكون متناهيًا هو الآخر في المقدار، وهذا صادق على كل جسم، وعلى كل ما له مقدار.
و الأصغر بين شيئين متجانسين يعد الأكبر منهما، أو جزءًًا من هذا.
فإن كان ها هنا جسم لا متناه، فإنه لو فصل عنه جسم متناه في المقدار، فإن الباقي إما أن يكون متناهيًا في المقدار، أو غير متناه في المقدار. فإن كان متناهيًا، فإنه إذا أضيف إليه ما فصل منه "وهو متناه في المقدار"، فإن الجسم المؤلف من كليهما سيكون متناهيًا، لكنه كان قبل هذا الفصل لا متناهيًا. إذن سيكون متناهيًا ولا متناهيًا في وقت واحد، وهذا متناقض ومحال. أما إن كان الباقي لا متناهيًا، فإنه إذا أضيف إليه ما انتزع منه، فإنه إما أن يصير أكبر مما كان قبل هذه الإضافة، أو مساويًا، فإن كان أكبر مما كان، فإن اللامتناهي سيكون أكبر من اللامتناهي، وهذا محال.