الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٥
علم المنطق، وكذلك كتاب أقليدس١: فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره -ثم انتقلت إلى "المجسطي"٢. ولما فرغت من مقدماته، وانتهيت إلى الأشكال الهندسية، قال لي الناتلي: تول قراءتها وحلها بنفسك، وأعرضها علي لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم٣ بالكتاب، وأخذت أحل ذلك الكتاب، فكم من شكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه، وفهمته إياه.
ثم فارقني الناتلي متوجهًا إلى كركابخ، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من النصوص٤، والشروح: من الطبيعي، والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح علي.
ثم رغبت في علم الطب، وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أنّي برّزت فيه في أقل مدّة، حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون عليّ علم الطب، وتعهدت المرضى فانفتح عليّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة.
ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفًا، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفسلفة، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره. وجمعت بين يدي٥ ظهورًا، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية. ورتبتها في تلك الظهور، ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته، حتى تحقق لي الحق في تلك المسألة، وكلما كنت أتحير في مسألة، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس، ترددت إلى
١ أي كتاب "أصول الهندسة" لأقليدس.
٢ لبطليموس، وهو في علم الفلك.
٣ أي: يحسن فهمه.
٤ النصوص الأصلية للمؤلفين، لا الشروح.
٥ أي: بطاقات، جزازت يقيد فيها ما يريد تقييده.