الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٩
خلاصة
...
القديس توما الأكويني "١٢٢٥-١٢٧٤م" أكبر خصم، وفي الوقت نفسه أكبر مستفيد من ابن رشد ومؤلفاته وشروحه، وقد كرس للرد عليه رسالة مشهورة بعنوان: "في وحدة العقل، ضد ابن رشد"، ومن ثم صار أتباع الطريقة الدومينيكانية ألد أعداء ابن رشد، واشتدت الحملة بعد ذلك على ابن رشد بوصفه الممثل الأكبر للفلسفة الإسلامية، وكان أصخب حاملي لوائها ريمون لول "١٢٣٥-١٣١٥م".
وفي مقابل ذلك نجد روجر بيكون شديد الإعجاب بابن رشد، وعلى الرغم من الإدانات المتوالية من السلطات الدينية المشرفة على جامعة باريس في سنة ١٢٧١، وسنة ١٢٧٧ خصوصًا، فقد ظلت مؤلفات، وشروح ابن رشد تحظى بعناية وافرة لدى المشتغلين بالفلسفة في أوروبا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، وعبثًا صنعت الأساطير والأكاذيب حول حقيقة موقف ابن رشد من الدين، فقد ظلت الرشدية تشق طريقها المظفر في جامعات أوروبا كلها، خصوصًا الجامعات الإيطالية، وعلى رأسها جامعة بادوفا "في شمال شرقي إيطاليا بجوار فينيسيا" في القرن الرابع عشر، وما تلاه حتى القرن السادس عشر، بفضل جان دي جاندان Jean de Jandun وبولس البندقي Paul de Venise "المتوفى سنة ١٤٢٩"، وجايتانو دي تيينا Faetano de Tiene " سنة "١٣٨٧-١٤٦٥"، ومن ثم أصبح ابن رشد يعد "سيد العلماء" في يادوفا، حتى قال عنه ميكائيل سافونارولا في سنة ١٤٤٠، أنه "ملك العبقرية الإلهية التي شرحت كل مؤلفات أرسطو"١.
ذلك أن فلاسفة العصور الوسطى الأوروبية، وجدوا فيه خير شارح لمؤلفات أرسطو، كما وجدوا في كتابه "تهافت التهافت" أقوى مدافع عن الفلسفة، ضد خصومها من رجال الدين.
وإذا كان ابن رشد لم يشيد مذهبًا فلسفيًا قائمًا برأسه، فقد كان بهاتين
١ راجع تفصيل هذا كله في كتاب رينان: "ابن رشد والرشدية" ص١٦٤-٣٢٣.