الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٥
وحكي عن آل أرسطو أنهم صححوا القول، الذي يجعل السبب في ذلك: التوسط.
قلت: إن هذا لا يمكن الجواب فيه في هذا الكتاب١ بجواب برهاني، ولكن لسنا نجد لأرسطو، ولا لمن شهر من قدماء المشائين هذا القول الذي نسب إليهم، إلا لفرفوريوس الصوري، صاحب مدخل علم المنطق، والرجل لم يكن من حذاقهم.
والذي يجري عندي على أصولهم أن سبب الكثرة هو مجموع الثلاثة الأسباب: أعني: المتوسطات، والاستعدادات والآلات، وهذه كلها قد بينا كيف تستند إلى الواحد، وترجع إليه، إذ كان وجود كل واحد منها بوحدة محضة هي سبب الكثرة، وذلك أنه يشبه أن يكون السبب في كثرة العقول المفارقة اختلاف طبائعها القابلة، فيما تعقل من المبدأ الأول، وفيما تستفيد منه من الوحدانية التي هي فعل واحد في نفسه، كثير بكثرة القوابل له، كالحال في الرئيس الذي تحت يده رئاسات كثيرة، والصناعة التي تحتها صنائع كثيرة، وهذا يفحص عنه في غير هذا الموضع: فإن تبين شيء منه، والأرجع إلى الوحي"٢.
ويرجع ابن رشد الاختلاف إلى الاسباب الأربعة: فاختلاف الأفلاك يرجع إلى اختلاف محركيها، واختلاف صورها، واختلاف موادها -إن كان لها مواد، واختلاف أفعالها المخصوصة في العالم، والاختلاف فيما دون فلك القمر يرجع إلى اختلاف المادة، مع اختلافها في القرب والبعد من المحركين لها، وهي الأجرام السماوية، مثل اختلاف النار، والتراب، وبالجملة: المتضادات، وأما السبب في اختلاف الحركتين واختلاف حركاتها، كما تبين ذلك في كتاب "الكون والفساد" لأرسطو.
١ أي "تهافت التهافت".
٢ ابن رشد: "تهافت التهافت" ص٤١٦-٤١٨.