الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٤
كان ها هنا نظام وترتيب، وعلى هذا يصح القول: إن الله خالق كل شيء وممسكه وحافظه، كما قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا} [سورة فاطر: ٤١] ، وليس يلزم من سريان القوة الواحدة في أشياء كثيرة، أن يكون في تلك القوة كثرة، كما ظن من قال: إن المبدأ الواحد إنما فاض عنه أولًا، واحد، ثم فاض من ذلك الواحد كثرة، فإن هذا إنما يظن به أنه لازم إذا شبه الفاعل الذي في غير الهيولى بالفاعل الذي هو هيولى، ولذلك إن قيل اسم: "الفاعل" على الذي في غير هيولى، والذي في هيولى -فباشتراك الاسم، فهذا يبين لك جواز صدور الكثرة عن الواحد"١.
ويحمل ابن رشد بشدة على هذا المبدأ الذي قال به الفارابي، وقال به خصوصًا ابن سينا، وهو أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ويلاحظ بوجه عام أن ابن رشد شديد الوطأة على ابن سينا في كثير من المواضع.
وبالجملة يرى ابن رشد في نظرية الصدور، وخصوصًا صدور الواحد عن الواحد، نظرية لا تقوم على مقدمات يقينية، بل هي ظنية، ويحمل بهذه المناسبة على أبي نصر الفارابي، وابن سينا؛ "لأنهما أول من قال هذه الخرافات، فقلدهما الناس، ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة"٢.
وهنا يوجه ابن رشد إلى نفسه هذا السؤال ليجيب عنه، فيقول:
"فإن قيل: فما تقول أنت في هذه المسألة -وقد أبطلت مذهب ابن سينا في علة الكثرة، فما تقول أنت في ذلك؟ فإنه قد قيل: إن فرق الفلاسفة كانوا يجيبون في ذلك بواحد من ثلاثة أجوبة: أحدها: قول من قال: إن الكثرة إنما جاءت من قبل الهيولى،
والثاني: قول من قال: إنماجاءت من قبل الآلات.
والثالث: قول من قال: من قبل الوسائط.
١ ابن رشد: "تهافت التهافت" ص٣٧٤-٣٧٥.
٢ الكتاب نفسه ص٣٩٧.