الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٣
هـ- نقد نظرية الصدور:
وينقد ابن رشد القائلين بصدور العالم عن الله بطريق الفيض، وعلى رأسهم الفارابي وابن سينا، وهو في هذا تلميذ مخلص لأستاذه أرسطو.
يقول ابن رشد: "وأما ما حكاه "أي الغزالي" عن الفلاسفة في ترتيب فيضان المبادئ المفارقة عنه، وفي عدد ما يفيض عن مبدأ من تلك المبادئ -فشيء لا يقوم برهان على تحصيل ذلك وتحديده، ولذلك لا يلغي التحديد الذي ذكره: في كتب القدماء.
وأما كون جميع المبادئ المفارقة، وغير المفارقة، فائضة عن المبدأ الأول، وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحدًا، وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلًا واحدًا كالحال في بدن الحيوان الواحد المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحدًا، وموجودًا بقوة واحدة فيه، فاضت عن الأول -فأمر أجمعوا عليه؛ لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد"١، وكما أن في الحيوان الواحد قوى عديدة، ولكن تسري فيه قوة واحدة، كذلك "كانت نسبة أجزاء الموجودات من العالم كله نسبة أجزاء الحيوان الواحد من الحيوان الواحد، فباضطرار أن يكون حالها في أجزائه الحيوانية، وفي قواها المحركة النفسانية والعقلية هذه الحال، أعني أن فيها قوة واحدة روحانية -وهي سارية في الكل سريانًا واحدًا- بها ارتبطت جميع القوى الروحانية والجسمانية، ولولا ذلك لما
١ ابن رشد: "تهافت التهافت" ص٣٧٢-٣٧٣.