الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤
وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين١، ويعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس، والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي. وكانوا ربما تناكروا وأنا أسمعهم، وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي، وابتدأوا يدعونني أيضًا إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة، والهند وحساب الهند. وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه.
ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي٢، وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه، والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة، ووجوه الاعتراض على المجيب، على الوجه الذي جرت عادة القوم به.
ثم ابتدأ بكتاب إيساغوجي على الناتلي، ولما ذكر لي حد الجنس أنه: هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو -أخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، فتعجب مني كل العجب، وحذر والدي من شغلي بغير العلم. وكان أي مسألة قالها لي كنت أتصورها خيرًا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه لم يكن عنده منها خبر.
ثم أخذت اقرأ الكتب على نفسي، وأطالع الشروح حتى أحكمت
١ لما كان الفاطميون هم القائمين على الدعوة الإسماعيلية، وكان مركزهم الرئيسي في مصر، فيبدو أن كلمة "المصريين"، صارت تدل في النصف الثاني من القرن الرابع، والأول من القرن الخامس للهجرة على أتباع مذهب، أو الدعوة الإسماعيلية، وهو تعبير خطأ قطعًا؛ لأن مصر بشعبها كله لم تعتنق هذا المذهب أبدًا، طوال حكم الفاطميين ولا -طبعًا- بعد زوال دولتهم، راجع كتابنا: "مذاهب الإسلاميين" الجزء الثاني، بيروت سنة ١٩٧٣.
٢ راجع ترجمته في "تتمة صوان الحكمة" للبيهقي ص٣٧ دمشق سنة ١٩٤٦، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، وهو منسوب إلى ناتل "بالتاء": بلدة بنواحي آمل في طرستان بشمال شرقي طهران، كما في أنساب السمعاني، ويقول عنه البيهقي: إنه "كان حكيمًا عالمًا مخلقًا بأخلاق جميلة"، وله رسالة لطيفة "في واجب الوجود وشرح اسمه، وهذه الرسالة دالة على أنه كان مبرزًا في هذه الصناعة، بالغًا الغاية القصوى في علم الإليهات ... ورسالة في علم الإكسير".