الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣٧
والغزالي حين يعرض رأي فلاسفة الإسلام في هذه المسألة، يقول: إن منهم من ذهب إلى أنه "أي الله" لا يعلم إلا نفسه، ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره، "وهو الذي اختاره ابن سينا: فقد زعم أنه يعلم الأشياء علمًا كليًا لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يغرب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي"١.
وابن رشد "في تهافت التهافت"، يرد على اعتراضات الغزالي على الفلاسفة في هذه المسألة، بأن يقول: إن الأصل في مشاغبة الغزالي على الفلاسفة ها هنا راجع إلى تشبيهه علم الخالق سبحانه بعلم الإنسان، وقياس أحد العلمين على الآخر، وهذا خطأ في التشبيه، لاختلاف علم الخالق عن علم الإنسان، هذا أولًا.
وثانيًا: من قال من الفلاسفة: إن الله إنما يعلم الكليات دون الجزئيات، فالسبب في ذلك أن العلم بالكليات عقل، أما العلم بالجزئيات أي بالأشخاص -فهو حس أو خيال، وتجدد الأشخاص يوجب شيئين: تغير الإدراك، وتعدده، أما علم الأنواع والأجناس -أي علم الكليات- فليس يوجب تغيرًا، إذ علمهما ثابت.
لكن ابن رشد يسلم بأن تعدد الأنواع والأجناس يوجب التعدد في العلم، ولهذا فإن "المتحققين من الفلاسفة لا يضعون علمه -سبحانه وتعالى- بالموجودات: لا بكلي، ولا بجزئي، وذلك أن العلم الذي هذه الأمور لازمة له هو: عقل منفعل ومعلول، والعقل الأول هو فعل محضن وعلة، فلا يقاس علمه على العلم الإنساني، فمن جهة ما لا يعقل غيره، من حيث هو غيره، هو علم منفعل، ومن جهة ما يعقل الغير، من حيث هو ذاته، هو علم فاعل.
١ الغزالي: "تهافت الفلاسفة" ص١٦٤.