الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣٥
الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم أن صورته محدثة بالحقيقة، وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين، أعني غير منقطع، وذلك أن قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [سورة هود: ٧] ، يقتضي بظاهره أن وجودًا قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، وزمانًا قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك. وقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَات} [سورة إبراهيم: ٤٨] ، يقتضي أيضًا بظاهره أن وجودًا ثانيًا بعد هذا الوجود. وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَان} [سورة فصلت: ١١] يقتضي بظاهره أن السماوات خلقت من شيء، فالمتكلمون ليسوا في أقوالهم أيضًا في العالم على ظاهر الشرع، بل متأولون: فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجودًا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نصًا أبدًا"١.
وبهذا يبين ابن رشد أن القول بقدم العالم لا يخالفه نص من القرآن، ولا تعارض إذن في هذه المسألة بين ما يقول به الفلاسفة من أن العالم قديم، وبين ما ورد في الشرع.
١ ابن رشد: "فصل المقال" ص٤٢-٤٣. بيروت، سنة ١٩٧٣.