الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣١
Palacios فحاولا بيان أن ابن رشد كان ذا نزعة دينية قوية، وأنه سعى بإخلاص للتوفيق بين الدين والفلسفة، فقال ميرن: إن موقف ابن رشد في هذه المسألة لا يختلف عن موقف ابن سينا، وإن الفلسفة عنده تستند إلى الوحي الإلهي وإلى العقل معًا، واستند في ذلك إلى "تهافت التهافت" وحده.
أما أسين بلاثيوس فاستند إلى كل النصوص الأساسية في هذا الباب عند ابن رشد، وترجم فقرات رئيسية منها إلى الأسبانية، وقارنها بنصوص مناظرة لها عند توما الأكويني، وانتهى من ذلك إلى توكيد أن ابن رشد لم يكن فيلسوفًا عقليًا، بل على العكس: اعتمد على الوحي، وقرر أن الوحي والعقل لا يتعارضان، وتبعًا لذلك يرى أسين أن ابن رشد بقي صحيح الإيمان تمامًا، ولم يتعد حدود المذهب السني.
٣- ثم جاء ليون جوتييه في رسالة للدكتوراه بعنوان: "نزرية ابن رشد في العلاقة بين الدين والفلسفة" "باريس سنة ١٩٠٩"، فدرس الموضوع تفصيلًا، وانتهى إلى أن السؤال المطروح، وهو: هل كان ابن رشد عقليًا؟ سؤال أسيء طرحه، إذ لا ينبغي أن نضع السؤال في هذه الصورة، بل أن نسأل: بالنسبة لمن كان عقليًا؟ وبالنسبة لمن لم يكن كذلك؟ والجواب أنه "كان عقليًا مطلقًا حين كان يتوجه إلى الفلاسفة، أي إلى أصحاب البرهان العقلي والبينة العقلية، وعلى هؤلاء أن يؤولوا كل النصوص المتشابهة، ولا يوجد بالنسبة لهم سر ولا معجزات بالمعنى الحقيقي، ولكنه كان ذا نزعة إيمانية fideiste حين يتعلق الأمر بالعامة، أي بأصحاب الحجج الخطابية، أو أهل الموعظة، العاجزين عن متابعة البرهان العقلي: وهؤلاء ينبغي عليهم أن يؤمنوا حرفيًا بكل الرموز، وكل النصوص المتشابهة، دون استثناء، أما الفريق الثالث من النفوس، وهم وسط بين الفريقين الآخرين، وأعني بهم أهل الجدل، أي المتكلمين، القادرين على إدراك صعوبات النصوص والبحث في هذه الصعوبات، ولكنهم عاجزون عن فهم تفسيرها الحقيقي،