الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٢٥
بعض، لما أمكنه ذلك" "ص٣٢".
وهذه صناعة أصول الفقه والفقه نفسه، لم يكمل النظر فيهما إلا في زمان طويل، "ولو رام إنسان اليوم من تلقاء نفسه أن يقف على جميع الحجج، التي استنبطها النظار من أهل المذاهب في مسائل الخلاف، التي وقعت المناظرة فيها بينهم في معظم بلاد الإسلام -ما عدا المغرب- لكان أهلًا أن يضحك منه، لكون ذلك ممتنعًا ... وهذا أمر بين بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط، بل والعملية: فإنه ليس منها صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع، وهي الحكمة؟!
وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا -أن ألفينا، لمن تقدمنا من الأمم السالفة، نظرًا في الموجودات، واعتبارًا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان -أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق، نبهنا عليه وحذرنا منه، وعذرناهم" "ص٣٢-٣٣".
وهذه نظرة واسعة الأفق، متحررة، منفتحة للأخذ بالعلوم أيا كان مصدرها، دون اعتبار لجنسية أو دين هذا المصدر، كل ما علينا هو أن نفحص عما جاءوا به فإن كان موافقًا للحق، أي لما يقضي به العقل والنظر العقلي والبرهان العقلي، قبلناه وفرحنا به وشركنا لهم صنيعهم عرفانًا منا بجميلهم، وإن وجدناه غير موافق للحق، نبهنا على ذلك، وحذرنا منه، والتمسنا العذر لهم فيما اجتهدوا ولم يصيبوا الحق.
وينتهي ابن رشد من هذا كله إلى تقرير أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلًا للنظر فيها -وهو الذي جمع أمرين: أحدهما ذكاء الفطرة، والثاني العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية- فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة، وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى" "ص٣٣".