الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٢٤
اعتراضات وردود:
فإن اعترض معترض وقال: "إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، إذ لم يكن في الصدر الأول، فإننا نرد عليه ونقول: إن النظر في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول، فهل هو الآخر بدعة؟ إن هؤلاء المعترضين من الفقهاء لا يعتبرون القياس الفقهي بدعة، وإذن فعليهم ألا يعتبروا النظر في القياس العقلي بدعة، ذلك أن "أكثر أصحاب هذه الملة مثبتون للقياس العقلي، إلا طائفة من الحشوية قليلة، وهم محجوجون بالنصوص" "ص٣٠-٣١"، ويقصد بالحشوية ها هنا أصحاب المذهب الظاهري، وعلى رأسهم ابن حزم،
ممن أنكروا القياس.
وإن اعترض معترض آخر، فقال: إن القياس العقلي من وضع قوم غير مسلمين، قلنا: إن علينا أن نستعين بمن تقدمنا من الأمم، ممن درسوا القياس العقلي "سواء كان ذلك الغير مشاركًا لنا، أو غير مشارك، في الملة، فإن الآلة التي تصح بها التذكية "= النوع الشرعي"، ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة، وأعني بـ"غير مشارك": من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام" "ص٣١".
وما دام الأمر كذلك، وكان القدماء قد نظروا وفحصوا عن المقاييس العقلية -أي المنطق- أتم فحص، فينبغي أن نرجع إلى كتبهم، "فننظر فيما قالوه من ذلك:
فإن كان كله صوابًا، قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه" "ص٣١-٣٢".
فمن الواجب علينا إذن أن نستعين بما قاله المتقدمون في شأن المقاييس العقلية، كما نفعل ذلك في العلوم الرياضية، "فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة، ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية، وأشكالها وأبعاد بعضها عن