الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٢٢
مشكلة العقل والنقل
مدخل
...
١- مشكلة العقل والنقل:
ومن المشاكل الأساسية التي اهتم بها رشد مشكلة العقل والنقل، أو الفسلفة والشريعة، وما بينهما من اتصال، وقد كرس ابن رشد لهذه المسألة كتابين رئيسيين:
١- "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال".
٢- "الكشف عن مناهج الأدلة -في عقائد الملة".
والكتاب الأول هو الأساسي في موضوعنا ها هنا.
وقد حدد موضوعه ابن رشد، فقال: إن غرضه في هذا الكتاب أن يفحص "على جهة النظر الشرعي -هل النظر في الفلسفة، وعلوم المنطق مباح بالشرع، أو محظور، أم مأمور به: إما على الندب وإما على جهة الوجوب١"، "ص٢٧".
ومن أجل هذا يبدأ بتعريف الفلسفة، فيقول: إنها "ليست شيئًا أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها".
وواضح ما في هذا التعريف من حد وتضييق شديد لموضوع الفلسفة، وكأن غرضها ليس البحث في الموجودات لمعرفة حقائق الأشياء، وهو بحث ينبغي أن يطلب لذاته، كما قال أرسطو في أول مقالة "ألفا" الصغرى في كتاب "ما بعد الطبيعة"، بل جعل ابن رشد النظر في الموجودات وسيلة لاعتبار صانعها، وبهذا جعل الفلسفة في خدمة علم التوحيد، وواضح أيضًا أن الذي ألجأه إلى ذلك، هو الهدف الذي قصد إليه هذا الكتاب، وهو تبرير دراسة الفلسفة تجاه الطاعنين عليها من رجال الدين، وإلا فإنه لم يقل بمثل هذا الرأي عند شرحه لذلك الموضع من مقالة "ألفا" الصغرى.
ويمضي ابن رشد، فيقول: "إنه كلما كانت المعرفة بصفتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم"، وفي هذا رد على الفقهاء الذين يقولون: إنه يكفي ما نعرفه من النصوص النقلية.
١ سنشير ها هنا إلى طبعة بيروت، ط٣، سنة ١٩٧٣، وهي تعتمد على طبعة ج. حوراني "ليدن سنة ١٩٥٩"، لكننا ننبه القارئ إلى فساد معظم التعليقات التي وضعها ناشر طبعة بيروت.