الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١١٣
أعلم بما كان يسره من أعماله، وحسبنا هذا القدر.
وقد كان امتحن على ما نسب إليه، وامتحان مشهور"١.
إذن الحملة على ابن رشد كانت من جانب الفقهاء، ومن أنكروه من العامة -بسبب اشتغاله بعلوم الأوائل من فلسفة وفلك، واعتنائه بمؤلفات أرسطو تفسيرًا وتلخيصًا، وهي ظاهرة طالما تكررت في تاريخ الإسلام، سواء في المشرق والمغرب٢.
٥- لكن إن كان هذا يفسر موقف الفقهاء ومن ورائهم العامة، فهو لا يفسر موقف السلطان الموحد يعقوب المنصور بالله، إذ كان هو نفسه كما رأينا من المشتغلين بعلوم الأوائل، والحريصين على العناية بها والمقربين لأصحابها.
وإنما الأرجح في تفسير موقفه هو أسباب شخصية هي: ما ذكره الأنصاري أيضًا "ص٣٣١ عند رينان"، فقال: "ويذكر أن من أسباب نكبته هذه اختصاصه بأبي يحيى، أخي المنصور، والي قرطبة"، ثم رفعه الكلفة بينه وبين السلطان، حتى كان يخاطبه بقوله: "تسمع يا أخي".
محنة ابن رشد:
ويظهر أن محنة ابن رشد على يد السلطان أبي يوسف يعقوب، كانت محنة علنية جرت في قرطبة، واشتهر أمرها، وممن رووا بعض تفاصيلها الذهبي٣، فقال: إن قومًا "ممن يعاديه بقرطبة، ويدعي معه الكفاءة في البيت
١ الأنصاري، أورده رينان ص٣٣٥.
٢ راجع مقالة جولد تسيهر بعنوان: "موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل"، التي ترجمناها ونشرناها في كتابنا: "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" ص١٢٣-١٧٢، وخصوصًا ص١٥١ وما يتلوها. القاهرة ط٣، سنة ١٩٦٥.
٣ في كتابه "تاريخ الإسلام" في ثنايا ترجمة يعقوب المنصور بالله، ورقة ٨٧ب، مخطوط باريس رقم ٧٥٣ "الترقيم القديم"، ونشره رينان في الملحق الرابع من كتابه: "ابن رشد والرشدية" ص٣٤٨-٣٤٩.