الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١١١
طرأ علي في النكبة، أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدًا بقرطبة، وقد حانت صلاة العصر، فثار لنا بعض سفلة العامة، فأخرجونا منه وكتب عن "= إلى" المنصور في هذه القضية، كاتبه أبو عبد الله بن عياش كتابًا إلى مراكش وغيرها، يقول فيما يخص حالهما منه: "وقد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامهم بشفوف عليهم في الأفهام، حيث لا داعي يدعو إلا الحي القيوم، ولا حكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفًا ما لها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يوهمون أن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقًا، ويسيرون فيها شواكل وطرقًا، ذلك بأن الله خلقهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ... "، وهكذا يستمر هذا الكاتب في الإرجاف والتهديد بهذه النغمة المألوفة عند متعصبي الفقهاء.
ويذكر الأنصاري نقلًا عن أبي الحسن الرعيني، أن من الأمور التي أخذت على ابن رشد عند هؤلاء العامة، وأشباههم من الفقهاء -أنه "حين شاع في المشرق، والأندلس على ألسنة المنجمة أن ريحًا عاتية تهب في يوم كذا وكذا- في تلك المدة تهلك الناس، واستفاض ذلك، حتى اشتد جزع الناس منها، واتخذوا الغيران "= المغارات" والأنفاق تحت الأرض، توقيًا لهذه الريح، ولما انتشر الحديث بها وطبق البلاد، استدعي إلى قرطبة إذ ذاك طلبتها، وفاوضهم في ذلك، وفيهم ابن رشد -وهو القاضي بقرطبة يومئذ- وابن بندود، فلما انصرفوا من عند الوالي، تكلم ابن رشد وابن بندود في شأن هذه الريح من جهة الطبيعة، وتأثيرات الكواكب، قال شيخنا أبو محمد عبد الكبير: وكنت حاضرًا، فقلت في أثناء المفاوضة: إن صح أمر هذه الريح، فهي ثانية الريح التي أهلك الله تعالى بها قوم عاد، إذ لم تعلم ريح بعدها يعم إهلاكها.
قال: فانبرى إلي ابن رشد، ولم يتمالك أن قال: والله، وجود قوم