الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٠٩
ذلك لم يتوقف عن الأسفار في دولة الموحدين: فنجده مرة في مراكش، وأخرى في أشبيلية، وثالثة في قرطبة، ويشهد على ذلك ما ذكره في تفاسيره لكتب أرسطو من أسماء للبلاد التي أتم فيها كتابتها، فهو في سنة ٥٧٤هـ "١١٧٨م" كتب في مراكش قسمًا من كتابه "في الجرم السماوي"، وفي سنة ٥٧٥هـ "١١٧٩م"، فرغ في أشبيلية من أحد كتبه في علم الكلام، ثم دعاه السلطان يوسف مرة أخرى إلى مراكش في سنة ٥٧٨هـ "١١٩٢" م، وعينه طبيبًا له مكان ابن طفيل الذي بلغ سنًا عالية، فاعتزل الطب لكنه بقي وزيرًا.
وتوفي السلطان يوسف في ربيع الثاني سنة ٥٨٠هـ "١٣/ ٧/ ١١٨٤م"، وخلفه ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور بالله، فزاد من تقريب ابن رشد، حتى صار ابن رشد "ثانيًا عند المنصور، وجيهًا في دولته"١.
وقد توجس ابن رشد من هذا التقريب الشديد، كما يدل على ذلك ما أورده ابن أبي أصيبعة "الموضع نفسه" من أنه: "لما قرب المنصور لابن رشد وأجلسه إلى جانبه، حادثه، ثم خرج من عنده وجماعة الطلبة وكثير من أصحابه ينظرونه، فهنأوه بمنزلته عند المنصور وإقباله عليه، فقال "ابن رشد": والله إن هذا ليس مما يستوجب الهناء به! فإن أمير المؤمنين قربني دفعة إلى أكثر مما كنت أؤمل فيه، أو يصل رجائي إليه".
ذلك أن الوشاة -وما أكثرهم حول أصحاب السلطان، وما أسرع تقلب أهواء هؤلاء الأخيرين! - أفلحوا في الوقيعة به لدى يعقوب المنصور بالله، حتى نقم عليه، "وأمر بأن يقيم ابن رشد في أليسانة -وهي بلد قريب من قرطبة، وكان أولًا لليهود، وأن لا يخرج منها، ونقم أيضًا على جماعة أخر من الفضلاء الأعيان، وأمر أن يكونوا في موضع آخر، وأظهر "يعقوب" أنه فعل بهم ذلك بسبب ما يدعي فيهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة: أبو الوليد بن رشد، وأبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو
١ ابن أبي أصيبعة، ورد في رينان ص٣٤٠.