الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٠٤
أشرف، وبالعقلية هو إلهي فاضل.
فذو الحكمة -ضرورة- فاضل إلهي، وهو يأخذ من كل فعل أفضله، ويشارك كل طبقة في أفضل أحوالهم الخاصة بهم، وينفرد عنهم بأفضل الأفعال وأكرمها، وإذا بلغ الغاية القصوى -وذلك بأن يعقل العقول البسيطة الجوهرية، التي تذكر في "ما بعد الطبيعة"، وفي كتاب "النفس" وكتاب "الحس والمحسوس" -كان عند ذلك واحدًا من تلك العقول، وصدق عليه أنه إلهي فقط، وارتفعت عنه أوصاف الحسية الفانية، وأوصاف الروحانية الرفيعة، ولاقى به وصف: إلهي بسيط.
وهذه كلها قد تكون للمتوحد، دون "المدينة الكاملة"١.
وإذن هذه الصفات قد تكون للمتوحد، سواء أكان فردًا أم أكثر، لكنها لا تكون لمدينة ولا لجزء منها، وإنما هي غاية المدينة التي تقصدها دون أن تحققها. ولا يمكن المتوحد أن يفعل هذه الصفات عند أهل المدينة، ولا أن يكون حافظها فيهم، إذ هو متوحد.
ومعنى هذا أن ابن باجه لم يطالب بأن يكون حاكم الدولة هو الفيلسوف، بل اكتفى بأن أشار إلى أوصاف المثل الأعلى للسعيد، وأكد أنه متوحد لا تأثير له في المدينة، أعني في الدولة، فكان أكثر واقعية من أفلاطون، بل ومن الفارابي. وربما كان السبب في هذه الواقعية أنه عانى السياسة بالفعل لما كان وزيرًا لأبي بكر، يوسف بن تاشفين في فاس بالمغرب.
١ ابن باجه: "تدبير المتوحد" في "رسائل ابن باجه" ص٧٩-٨٠، بيروت سنة ١٩٦٨.