فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٤ - الفص الخامس
يخاطب بمثل ذلك و إنما يدرك الأمر على النحو الذي ذكرناه. و لهذا كثر المؤمنون الذين يأخذون بظاهر الآيات و يعملون العقل في فهمها، و قلّ العارفون الواقفون على حقيقة الأمور ذوقاً و كشفاً.
(٦) «ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك ... ما تعيَّن عليه».
(٦) هذا هو القانون العالم الذي يبني عليه ابن عربي نظريته في الوجود و في الجبرية التي شرحناها. كل ما في الوجود الظاهر إنما هو صورة لِما كان عليه في حال ثبوته الأزلي. لا بدَّ من ذلك و لا يمكن أن يتصوّر غيره. و لكن إذا كان الأمر كذلك فمن الموجود؟ أ هو الحق أم الخلق؟ هذه مسألة اعتبارية. فإنك إذا قلت إن وجودك الخارجي هو وجود الحق لا وجودك كان الحكم لك- من حيث الصورة- في هذا الوجود، لأنك تعيِّنه و تعطيه صفاته. و إن ثبت في نظرك أن لك وجوداً كان الحكم لك أيضاً، و لم يكن للحق حكم فيك إلا إفاضة الوجود عليك. و في هذه الحالة لا تحمد إلا نفسك و لا تذمّ إلا نفسك. أما الحق فيجب أن نحمده دائماً لإفاضته الوجود عليك.
و بما أن الخلق لا وجود له إلا بالحق، و بما أن الحق الظاهر بصور الموجودات قد قبل جميع أحكام هذه الموجودات حتى ظهر بها في صورها، قال: «فأنت غذاؤه بالأحكام و هو غذاؤك بالوجود»: لأنه لولاه لما وُجِدتَ و لولاك ما ظهر.
(٧) «فالأمر منه إليك و منك إليه».
(٧) يصح أن تفهم كلمة «الأمر» هنا بمعنى أمر الوجود: أي فأمر الوجود من الحق إلى الخلق و من الخلق إلى الحق.
و لكن يظهر أن المراد بها الطلب و هي مع ذلك مستعملة استعمالًا مجازياً:
لأن العبد لا يأمر الحق بفعل شي ء بمعنى أنه يكلِّفه فعله، بل بمعنى أن حاله تقتضي حصول ذلك الفعل، و اقتضاء الحال ضروري لا مفر منه لأنه تابع للعين الثابتة في الأزل. و قد سبق أن ذكرنا أن الإرادة الإلهية لا تتعلق إلا بهذه الناحية من