فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٠ - الفص الخامس و العشرون
أما قوله «و هو قوله بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ »: فمعناه أن قوله «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما» يشبه قوله «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ»: لأن علمه محيط بكل شي ء، و الشي ء يشمل الظاهر و الباطن من الموجودات، و هو ما أشار إليه بالمشرق و المغرب.
أما «أهل الكشف و الوجود» فهم العارفون أهل الذوق. و قد سماهم أهل وجود إما بمعنى أنهم يعرفون الوجود الظاهر الذي هو العالم الخارجي إلى جانب ما يكشف لهم من أسرار الغيب. فهم أهل كشف و وجود أي أهل معرفة ذوقية بحقائق الأشياء، و أهل علم بالعالم الظاهر. و إما أن يكون معنى الوجود «وجود الحق أي معرفته. فهم أهل كشف و وجود أي فيهم القوة على كشف الحقائق و معرفة اللَّه. و للصوفية «حال» يسمونها «الوجود»، و هي حال تعقب حال الوجد. ففي الوجد يكون الصوفي فانياً عن نفسه، و في «الوجود» يكون في حالة بقاء مع ربه، أي حالة شعور بالحق لا يفرق فيه بين ذاته المدرِكة و الموضوع المدرَك.
و في هذه الحال يقول الصوفي إنه وَجَدَ الحق [١]، و هي الحال التي يسمونها حال الصحو بعد المحو، و فيها يقول ابن الفارض:
|
ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها |
و ذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت |
|
(١٩) «فلما جعل موسى المسئول عنه عَينَ العالم ... إلى قوله بما يقبله الموقن و العاقل خاصة».
(١٩) لعل هذا الجزء من الفص أصعب ما فيه، لا من حيث موضوعه، فإنه لم يخرج عن دائرة وحدة الوجود التي يشرحها على لسان موسى تارة و لسان فرعون تارة أخرى بل من حيث الطريقة الملتوية التي يلجأ إليها في تفسير الآيات القرآنية و التعليق عليها ليخرج من كل ذلك بفكرته كاملة غير منقوصة في وحدة الوجود، مع المحافظة في الشكل على مسرح القصة القرآنية و ما دار فيها من حديث بين موسى و فرعون.
[١] راجع الرسالة القشيرية في معنى الوجود ص ٣٤