فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩٠ - الفص الرابع و العشرون
(٧) الضمير هنا عائد على العارفين، و هم عبَّاد الوقت بمعنى أنهم يعبدون مجالي الحق في كل وقت يظهر فيه ببعض صفاته. و الحق دائم التجلي و دائم التحول في الصور، فهم يعرفونه في هذه الصور و يعبدونه فيها، و هم يعلمون أنهم لا يعبدون من تلك الصور أعيانها، و إنما يعبدون الحق فيها. و هذه حال يسترها العارفون عن غيرهم لأنهم أتباع الرسول، و الرسول يحرم عليهم عبادة الصور لقصور أفهام العامة عن إدراك حقائقها، و يدعوهم إلى عبادة إله واحد يُعْرَف إجمالًا و لا يشهد. فيبدو العارف في صورة المنكر لعبادة المجالي الوجودية، لأنه تابع في الظاهر للرسول و الرسول ينكرها، و لأنه يخشى على العامة أن يعبدوا الصور لذاتها فيحصروا الحق فيها، و هو منزه عن الحصر و التقييد.
هذا، و قد يكون المراد بالوقت الدهر، و هو أعظم مجالي الحق و اسم من أسمائه على حد قول الصوفية الذين يروون عن النبي صلى اللَّه عليه و سلم أنه قال:
«لا تَسُبُّوا الدهر فإن اللَّه هو الدهر». فالعارفون عبَّاد الوقت بهذا المعنى أيضاً أي عبّاد الدهر الذي يتجدد في كل آن حاملًا صوراً جديدة من صور الوجود.