فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩٢ - الفص الخامس و العشرون
الذي هو آخر مراتب التنزلات. و كل متعين بالتعين الكلي من المجردات العقلية و النفوس السماوية و أرواح الأنبياء إلخ، يُفِيض على ما تحته من التعينات الجزئية و يمده بالحياة و يدبره و يتصرف فيه.
فأرواح الأنبياء على هذا الرأي من التعينات الكلية. و أرواح أممهم بالنسبة إليهم هي بمثابة الأعوان و الخدم. و موسى أحد هذه الأرواح المتعينة بالتعين الكلي. و أرواح الأبناء الذين قتلوا في زمان ولادته هي الأرواح التي تحت حيطة روحه، و في حكم خدمه و أعوانه. فلما أراد اللَّه إظهار موسى على فرعون و قهره إياه، قضى بأن يقتل فرعون أبناء بني إسرائيل لتنضم أرواحهم إلى روح موسى فيتقوى بها و تجتمع فيه خواصها. فلما تعلق الروح الموسوي ببدنه، تعاضدت تلك الأرواح في إمداده بالحياة و القوة، و كلِّ ما هو مهيأ من الكمالات لتلك الأرواح الطاهرة. فما ولد موسى إلا و هو مجموع أرواح كثيرة توجهت إليه و أقبلت نحوه بهواها و محبتها و نوريتها خادمة له. و قد كان أثرها فيه عظيماً، لأنها أرواح أطفال حديثي التكوين قريبي العهد بربهم. و ظاهر من هذا أن المراد بالتعينات الكلية إنما هو المجالي الكلية للواحد الحق التي نسبتها إلى المجالي الجزئية أشبه شي ء بنسبة الكلي المنطقي إلى جزئياته. و الأنبياء و الأولياء- أو بعبارة أدق- أرواح الأنبياء و الأولياء- بعض هذه المجالي. و لهذا قال محمد صلى اللَّه عليه و سلم: كنت نبياً و آدم بين الماء و الطين: أي تجلى الحق في صورتي الروحية الكلية قبل خلق آدم. و قد ذكرنا أن من رأي ابن عربي أن الحق هو المتجلي في صورة كل شي ء بحسب استعداد تلك الصور، و لكنه متجلٍ في أكمل صورة في الإنسان الكامل الذي يتمثل في طبقة الأنبياء و الأولياء. و إذا كانت الأنبياء من المجالي الكلية للحق، و من أوائل الكلمات الإلهية (العقول الإلهية)، أدركنا لِمَ ينسب ابن عربي حكمة كل فص من فصوص كتابه إلى كلمة من كلمات الرسل، كأنما يقصد بذلك أن روح كل فص و الموحِي بالحكمة الواردة فيه نبي من الأنبياء