فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩٣ - الفص الخامس و العشرون
أو هو الحق متجلياً في صورة ذلك النبي.
و لم يكن قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل عن خطأ أو جهل، بل كان عن علم إلهي و تقدير أزلي، و إن كان فرعون نفسه لم يشعر بذلك.
(٢) «و أما حكمة إلقائه في التابوت و رميه في اليَمِّ ... إلى قوله سكينة الرب».
(٢) أشار إلى أن المراد بالتابوت الجسم الإنساني الذي يطلقون عليه اسم الناسوت، و باليَمِّ العلم الحاصل للنفس عن طريق القوى البدنية، كقوة النظر الفكري و قوى الحواس و القوة المتخيلة و ما إلى ذلك من القوى التي هي آلات المعرفة في الإنسان.
و ظاهر أن «موسى» هنا ليس إلا مثالًا للإنسان الكامل الذي خلقه اللَّه على صورته، و أن كل ما يصدق عليه يصدق على غيره من الكاملين. فقد ألقاه اللَّه في اليمِّ، أي قذف بناسوته في بحر المعرفة لتحصل له الكمالات الإلهية التي يمتاز بها الإنسان عن غيره من صور الوجود الأخرى. و التابوت الانساني الذي هو الجسم أكمل الأجسام العنصرية على الإطلاق، و لذلك كان أهلًا لأن يكون محلَّ النفس الانسانية التي تدبره، و محلّ السكينة الإلهية.
و يظهر أن المؤلف يشير بما ذكره عن السكينة الإلهية التي وضعها اللَّه في التابوت الانساني، إلى ما ورد في القرآن في صورة البقرة عن قصة طالوت. و الذي يعنينا هنا هو الآية التي ورد فيها ذكر التابوت و سكينة الرب، و هي الآية الوحيدة التي اقترن اسم السكينة فيها باسم التابوت. قال تعالى: «وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ» (البقرة- ٢٤٩). و معنى السكينة اللغوي الطمأنينة و الأمن، و بهذا وردت آيات كثيرة في القرآن كقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ». و لكن ليس هذا هو المعنى الذي يرمي إليه ابن عربي. و أغلب الظن أنه يرمي إلى معنى آخر قريب من المعنى الذي تفيده كلمة