فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٠ - الفص الثالث و العشرون
المرموز إليه بحبة الخردل، و الحكمة الباطنة هي أنه عين ذلك الوجود، أي عين كل معلوم، و أنه يأتي به إلى كل شي ء في السموات و الأرض، لا إلى شي ء دون شي ء. و معنى إتيانه بالوجود إلى الأشياء ظهوره فيها في جميع مراتبها و درجاتها و في هذا إشارة إلى معنى قوله تعالى «وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ».
(٤) «إن الحق عين كل معلوم لأن المعلوم أعم من الشي ء، فهو أنكر النكرات».
(٤) ذكرنا في التعليق السابق أنه قرر أن الحق عين كل معلوم، و لم يشأ أن يقول عين كل شي ء، لأن المعلوم أعم من الشي ء إذا قصدنا بالشي ء الموجود المتحقق بالفعل بحيث يخرج منه الموجود الثابت في العلم غير المتحقق في الخارج. و بما أن علم اللَّه شامل لجميع الموجودات، سواء ما يتحقق منها في الخارج و ما لم يتحقق مما له ثبوت في العلم فقط، قال إن «المعلوم» أعم من «الشي ء» و أدخل في المعلوم المعدومات التي لها الثبوت دون الوجود الخارجي. و قد ذهب بعض المتكلمين إلى أن الشي ء مساوٍ للمعلوم، فأدخلوا الأعيان الثابتة في الأشياء مع أنها لا وجود لها إلا في العلم الإلهي، و استشهدوا بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».
فقد أطلق اللَّه تعالى على العين اسم الشي ء قبل كونها و تحققها في الخارج.
أما قوله «فهو أنكر النكرات» فيصح أن يكون الضمير فيه عائداً على «المعلوم» كما يقول جامي (ج ٢ ص ٢٩٠) لأنه يعم الموجودات و المعدومات أي يعم الموجودات العينية و العلمية من الممكنات و الممتنعات، و الشي ء مختص بالوجود العيني وحده. و يصح أن يكون عائداً على الحق سبحانه كما يقول القيصري (ص ٢٤٥) بمعنى أن الحق لما كان عين كل معلوم، سواء أ كان موجوداً في العين أم لم يكن، و المعلوم أعم من الشي ء، و الشي ء أنكر من كل نكرة، لزم أن الحق أنكر النكرات لأنه لا يعلم حقيقته إلا هو. و الحق الذي هو أنكر النكرات بهذا المعنى هو الذات