فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٢ - الفص الثالث و العشرون
اختبار هو العلم الذوقي. و العلم الذوقي مقيد بالقوى و حاصل عنها. و قد أخبر الحق عن نفسه أنه عين قوى العبد في قوله «كنت سمعه و بصره» إلخ. و معنى هذا ان اللَّه خبير أي أنه يعلم علم الأذواق في صورة من له القوى التي يحصل بها هذا العلم. فهو علم مكتسب للحق، بل هو المشار إليه في قوله تعالى:
«وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ». فجعل نفسه مع علمه بما هو الأمر عليه مستفيداً علماً. و في هذا تفرقة بين مطلق العلم و العلم المقيد بالقوى الروحانية و الجسمانية الذي هو علم الأذواق.
(٦) «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . و المظلوم المقام حيث نعته بالانقسام».
(٦) إنما وصف الشرك بأنه ظلم عظيم لأن الشرك يفترض الانقسام في مقام الألوهية و هو مقام يأبى الانقسام فالمظلوم هو هذا المقام الذي وصف بوصف لا يصدق عليه. و ذلك لأن تعدد الإله عبارة عن أن يشرك معه غيره في الألوهية، و هذا باطل لانتفاء وجود ذلك الغير و لأن عين الوجود واحدة. فإشراك أي شي ء مع ما هو عينه غاية الجهل. و هو راجع إلى أن من لا معرفة له بحقيقة الوجود و لا باختلاف الصور على العين الواحدة، يتوهم وجود مشاركة في مقام الألوهية حيث لا مشاركة. فالمشاركة الحقيقية في مقام الألوهية منتفية، و المشركون واهمون في شركهم. هذا من وجه، و من وجه آخر لا توجد مشاركة حقيقية في أي شي ء يتنازعه اثنان، لأن الشي ء الواقع فيه الاشتراك إما منقسم بين الشريكين بحيث يكون لكل منهما جزء غير الجزء الذي للآخر، و إذن فلا شركة بينهما على الحقيقة. و إما أن يكون ما يقع فيه الاشتراك بين الشريكين مشاعاً يتوارد عليه الشريكان على سبيل البدل، و ذلك باطل أيضاً لأن وقوع التصريف من أحد الشريكين يزيل الإشاعة و يجعل الأمر المشترك فيه مختصاً بأحد الشريكين و هو المتصرف. فلا مشاركة على الحقيقة.