فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٢ - الفص الثاني و العشرون
لا تكون معلولة معلولها في نظر العقل لأنه يحكم بأن الشي ء الذي يتوقف عليه وجود شي ء آخر كي يتحقق به، لا يمكن أن يتحقق وجوده هو بتوقفه على وجود ذلك الشي ء الآخر المتأخر عنه، و إلا لزم الدور. هذا قصارى ما يصل إليه العقل و لا يستطيع أن يتعداه لأنه ينظر إلى العلة و المعلول من حيث إنهما شيئان مختلفان متمايزان وجوداً و تقديراً. أما الذوق الذي يشهد الوحدة الوجودية بين العلل و المعلولات فإنه لا يرى حرجاً من القول بأن العلة معلولة للمعلول، كما أن المعلول معلول للعلة: و ذلك أن العلل و المعلولات جميعها صور متكثرة في عين واحدة لها صلاحية قبول العلية و المعلولية باعتبارين مختلفين: فلها حال كونها علة، صلاحية كونها معلولة و حال كونها معلولا صلاحية كونها علة، فهي في عينها جامعة للعلية و المعلولية و أحكامهما. و ليس الفرق بين الحالتين إلا في الذهن و في النسب المفروضة في الحقيقة الواحدة.
و لكن على أي نحو يؤثر المعلول في علته بحيث تصبح العلة معلولة له؟ لا يؤمن ابن عربي بأن العلية و المعلولية معناهما مجرد الفعل و الانفعال على التوالي، لأن المعلول يفعل في العلة كما تفعل العلة في المعلول، و ينفعل عنها كما تنفعل هي عنه.
و ذلك أنه لو لا معلولية المعلول لم يمكن أن تتحقق عليَّة العلة أي أن علية العلة موقوفة على معلولية المعلول. و إذن تكون معلولية المعلول علة لعلية العلة لأن العلية و المعلولية متضايفان يتوقف كل منهما على الآخر وجوداً و ذهناً: أي أن علية العلة لا تكون و لا تعقل إلا بمعلولية المعلول، كما أن معلولية المعلول لا تكون و لا تعقل إلا بعلية العلة.
و لما كانت العلل و المعلولات جميعها صوراً و مجالي للوجود الواحد الحق، و كان لكل منها صفتا العلية و المعلولية معاً، صعب التمييز بين ما يصح أن نسميه منها عِللًا و ما يصح أن نسميه معلولات. و الحقيقة أنها كلها علل من وجه و معلولات من وجه آخر، و أنها علل من حيث ظهور الحق فيها، و معلولات من حيث صورها. و بهذه الطريقة ينفي ابن عربي كثرة العلل و يقرر وحدتها، لأن الاعتراف بكثرة العلل شرك