فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٥ - الفص الثالث عشر
الفص الثالث عشر
(١) (١) من أهم المسائل التي تثار في هذا الفص مسألة «القوة»: مصدرها و ظهورها في الإنسان، وصلتها بقوته الروحية المسماة بالهمة، و متى يجب عليه أن يستخدمها في التصرف بوساطة هذه القوة، و متى ينبغي عليه أن يكف عن هذا التصرف.
و يظهر أن المراد بقوم لوط شهوات النفس البهيمية، و بلوط نفسه تلك القوة الروحية التي تضبط هذه الشهوات و تتصرف فيها. فهو رمز إما للهمة نفسها أو لقوة روحية أعلى تعرف كيف و متى تستخدم الهمة.
و قد سبق أن شرحنا معنى الهمة و بيَّنَّا بعض نواحيها و وظائفها في الفص السادس (التعليق الثامن) و الفص الثاني عشر (التعليق التاسع). أما في هذا الفص فيشرح المؤلف التصرف بها و يفسر كيف يفهم العارف التصرف و لِمَ يحجم عنه مع قدرته عليه مستنداً في ذلك إلى نظريته العامة في وحدة الوجود.
يقول إن الإنسان خُلِقَ من ضعف، فلا حول و لا قوة له في ذاته، لأنه لا وجود له في ذاته، و القوة مظهر من مظاهر الوجود، بل الموجود الحقيقي و القويُّ الحقيقي هو الحق وحده. فإذا آنس الإنسان من نفسه قوة فالحق واهب هذه القوة، بل هو صاحبها و مالكها، و لكن في صورته. أي أن الإنسان يظهر بالقوة لأنه مظهر الحق و الحق قوي في ذاته، و الإنسان قوي بالعرض. هذا دوران أو طوران للإنسان و إن شئت فقل اعتباران: ضعف أصيل و عجز ذاتي ثم قوة إضافية أو عرضية. و هنالك دور ثالث و هو دور العارف الذي يأنس من نفسه تلك القوة العارضة كما يحسها سائر المخلوقات، و لكنه يدرك أن هذه القوة ليست له، بل للقويِّ على الإطلاق و هو اللَّه،