فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٣ - الفص الثاني عشر
العالم دليل قاطع على حدوثه و إمكانه و افتقاره إلى محدث يحدثه و يحدث فيه ذلك التغير. و لكن ابن عربي اعتبر الحدوث و الافتقار قاصرين على الصور، و لم ير داعياً لفرض خالق أو محدث للذوات.
و من مواضع الشبه أيضاً بين نظريتهم و نظريته مسألة تجدد الأعراض الذي سماه هو بالخلق الجديد كما أسلفنا. أما الحسبانية (بكسر الحاء أو ضمها) فهم فرقة من السوفسطائيين زعمت أن كل شي ء في العالم، جوهراً كان أو عرضاً، متغير متبدل، و أن الدوام و الاستقرار لا يحملان على شي ء ما، و إذن لا يمكن أن يكونا صفتين تتميز بهما الحقيقة. بل الحقيقة ليس لها وجود إلا فيما تدركه الآن، و هي حقيقة بالإضافة إليك.
و كلمة حسبانية مشتقة من «حَسِبَ» بمعنى طن أو اعتقد. فالحقيقة حقيقة في حسبان هذا الشخص أو ذاك لا في ذاتها.
و كلا الفريقين- الأشاعرة و الحسبانية- مخطئ في نظر ابن عربي: و لو أنهما لَمَسَا جانباً من الحق: فالأشاعرة لم يدركوا العالم على حقيقته: أي لم يدركوا أن العالم جملة من الأعراض و الظواهر يقوِّمها جوهر واحد هو الذات الإلهية، بل افترضوا وجود جوهر أو جواهر إلى جانب هذه الذات حيث لا وجود لهذه الجواهر. أما الحسبانية فلم يدركوا أن وراء هذه الظواهر المدركة بالحس، المتغيرة على الدوام، جوهراً غير محسوس لا يتغير و لا يقبل الانقسام في ذاته، فقصروا الحقيقة على ما هو متغير و محسوس: مع أن الأمور المتغيرة ليست إلا صوراً و لا يمكن أن توجد أو تتصور موجودة إلا في ذلك الجوهر غير المحسوس الذي يقومها.
(١٤) «كالتحيز في حد الجوهر القائم بنفسه الذاتي و قبوله للأعراض حد له ذاتي».
(١٤) يشير إلى أن تعريف الأشاعرة للأشياء يدل على فساد نظريتهم لأنهم يعرفون