فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٢ - الفص الثاني عشر
نحو يتجدد في كل آن منذ الأزل، و بعد أن قرر أن هذا هو الخلق الجديد الذي ذكره القرآن، أشار إلى أقرب مذاهب مفكري الإسلام من مذهبه، فقال إن الأشاعرة أدركوا جزءاً من هذه الحقيقة في نظريتهم في تجدد الأعراض، و أدركها الحسبانية في نظريتهم في طبيعة العالم كله.
قال الأشاعرة إن العالم مؤلف من جوهر و أعراض، و إن الأعراض في تغير و تبدل مستمرين بحيث لا يبقى واحد في جوهر آنين، و نسبوا كل صور الموجودات و كثرتها و تعددها إلى اختلاف الأعراض المتجددة على الجوهر الواحد.
و لا شك عندي أن هذه النظرية الذرية التي قالوا بها- و إن كانت بعيدة كل البعد عن فكرة وحدة الوجود، لأن الأشاعرة يثبتون وجود إله خالق إلى جانب الجواهر و الأعراض- كان لها أكبر الأثر في الإيحاء بفكرة وحدة الوجود التي قال بها ابن عربي، لأنه لمّا أحلّ «الحق» محل جوهر الأشاعرة استقامت له نظريته و أصبحت نظرية واحدية بعد أن كانت ثنائية، و أصبح الوجود منحصراً في الجوهر الواحد (الذات في اصطلاحه) و الأعراض التي تختلف عليه (الصور الوجودية في مذهبه): و سقطت من نظرية الأشاعرة فكرة الخلق بالمعنى الصحيح، و أصبح ظهور الصور في الذات الواحدة أمراً تلقائياً ضرورياً.
و أقوى وجوه الشبه بين نظرية الأشاعرة و نظريته هو أن الأشاعرة ردوا الكثرة الوجودية في العالم إلى جوهر واحد مؤلف من ذرات أو جواهر فردة لا نهاية لعددها، و قالوا إن هذه الذرات لا يمكن معرفتها و لا وصفها إلا عن طريق ما يعرض لها من الأعراض التي تتغير و تتبدل في كل آن. فإذا اجتمعت على نحو ما أو افترقت و لحقها هذا العرض أو ذاك، ظهرت بصورة من صور الوجود سرعان ما تخلعها و تلبس صورة أخرى غيرها. هكذا تظهر الموجودات و تتبين لنا صفاتها التي يسمونها بالأعراض.
و لكن الأشاعرة يختلفون عن ابن عربي في أنهم يرون أن مجرد التغيير في العالم