فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٧ - قراءة اُصولية في رسالة التذكرة للشيخ المفيد (رحمه الله) الشيخ صفاء الدين الخزرجي
إلا أنّ من يعطي التأمل حقّه في عبارته يجدها في غاية الدقة حيث ميّز الشيخ المفيد بين مصادر التشريع [ = اُصول الأحكام الشرعية ] وبين الأدلة [= الطرق الموصلة] إلى تلك المصادر والاُصول ، فالعقل ليس مصدراً من مصادر التشريع ، بل هو الدليل على تلك المصادر من خلال قضية معرفية رئيسية ومهمة وهي « حجية الظهور » ؛ إذ لو لا هذه القضية والتسليم بها لانغلق باب الوصول إلى تلك المصادر . ولعل مراده من العقل ـ كما سبق ذكره مع الشواهد المؤيدة له ـ هو السيرة العقلائية التي تعتبر اليوم في الفكر الاُصولي أهم دليل على مسألة حجية الظهور . والسيرة العقلائية قد تعتبر ـ كما سبق ـ من الدليل العقلي بلحاظ كونها دليلاً لبيّاً ( باعتبار أنّ اللب هو العقل ) لا لفظياً ، وان كان المتأخرون والمعاصرون من الاصوليين يفرّقون بالدقة بينهما ، وعلى فرض إرادة السيرة العقلائية من العقل في عبارة الشيخ المفيد ـ كما هو الاحتمال الأرجح ـ فإنّ ذلك يرجع إلى عمومية مدلول الدليل العقلي إلى السيرة والارتكاز العقلائي . وأيّاً كان ، فإنّ الشيخ المفيد قد استخدم الدليل العقلي بشكل عملي في المسائل الثلاث عشر السابقة سيما في بحث غير المستقلات العقلية وان لم يطرحها ضمن إطار الدليل العقلي . ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنّه يرى الدليل العقلي هو خصوص المستقلات العقلية التي لا تتوقف على حكم الشارع كما صرّح بذلك في عبارته المنقولة سابقاً من أوائل المقالات . أو لأنّ مصطلح الدليل العقلي عند المتقدمين قد يراد به المدركات العقلية الظنية كالرأي والقياس اللذين عبّر عنهما الشيخ المفيد بأنه « لا يعرف من جهتهما شيء من الصواب » في استخراج الأحكام الشرعية .
هذا كلّه إذا لم يكن المراد بالعقل في قوله « والطرق الموصلة إلى علم المشروع في هذه الاصول ثلاثة : أحدها العقل ... » الاشارة إلى الدليل العقلي ، وإلا فالأمر أوضح .