حدیث حوزه - حدیث حوزه - الصفحة ٨١ - تطور اللغه و تأثيره على فهم الحديث
سؤال: بقي علينا الإجابة على هذا السؤال و هو: لو کان المراد من «المنارة» هو «ما يوضع عليه المسرجة» فما الذي دعا أميرالمؤمنين(علیهالسلام) للأمر بهدمها؟
الجواب: الذي دعا أميرالمؤمنين(علیهالسلام) للأمر بهدم المنارة هو أنها طويلة و تقع الى جانب المسجد، فإظهاراً لحرمة المسجد أمر بهدمها و قال: «لا تُرْفَعُ المَنارَةُ إِلاّ مَعَ سَطْحِ المَسْجِدِ.» أو فقل: ليس المذموم هو طول المنارة كما تصوره البعض، (وسائل الشيعة، ج٢٥، ص٢٣٠، ح٦٤١٣، باب كراهة طول المنارة و استحباب كونها مع سطح المسجد...)؛ (موسوعة ميزان الحكمة، ج١، ص١٧٧، عنوان «الأذان» باب «آداب بناء المنارة.») و إنما المذموم هو رفع المنارة على المسجد، فکما أن الأبنية المجاورة للکعبة لا يجوز رفعها أعلی من الکعبة؛ إظهاراً لعظمة الکعبة و حرمتها، فکذلك المقام. فالمذموم إذن هو انتهاك حرمة المسجد لا طول المنارة و قد جاء الأمر بهدم المنارة في هذا الإطار.
و بهذا ينسجم الحديث مع الوضع الثقافي السائد آنذاك _ حيث لم يكن الأذان فيه على المنائر _ من جهة، كما ينسجم التعبير الوارد في الحديث أعني قوله: «مر على منارة طويلة» حيث لم يعبر بقوله: «مر على مسجد منارته طويلة.» كما ينسجم معنى الحديث مع المعنى اللغوي لكلمة «المنارة» حيث إن معناها في اللغة مشتق من النور و جميع المعاني ـ عدا المئذنة ـ تنسجم مع هذا الاشتقاق و امّا المئذنة فهي لا تنسجم مع هذا الاشتقاق کما هو واضح و انما استعملت بهذا المعنى لاحقاً و نتيجة لارتقاء المؤذنين للمنائر (الأمكنة المعدة للنور) باعتبارها مرتفعة، فأطلقوا علی المنارة «مئذنة» و صارت «المئذنة» أحد معاني «المنارة».
نتيجه
مما ذكرناه يتضح لنا تأثير التطور الطارئ على معاني الألفاظ الواردة في الأحاديث على فهمها و الاستنباط منها و أن من الضروري تسليط الأضواء على هذا الجانب عند تعاملنا مع الحديث و عدم إغفاله. علماً أن هذا الموضوع لا يختص بالحديث الشريف بل له نماذج قرآنية أيضاً، أشرنا لنموذجين منها في مطلع المقال و هذا ما يفصح عن أهمية هذا الموضوع في فهم القرآن و الحديث معاً.